التدهور الأمني المستمر في الحالة العراقية يؤكد تماماً صدق الافتراضات والتوقعات التي أشارت إليها مصادر سياسية عديدة، وهي أن سياسة الهيمنة التي تتبعها أميركا منذ أن بدأت بما تسميه حربها ضد الإرهاب قد تجعلها في مأزق حقيقي مع العالم· وهذا المأزق يبدو واضحاً الآن فيما يجري على الساحة العراقية· فالقوات الأميركية تواجه مقاومة شديدة ونسبة القتلى من الجنود الأميركيين تزداد يومياً إلى درجة دقت معها بعض الصحف الأميركية ناقوس الخطر · والمؤشرات الأخيرة حسب استطلاع مجلة ستارز أند سترايبس بالتعاون مع البنتاجون تشير إلى أن حالة الجنود الأميركيين النفسية في تدهور متصاعد وأن حالات الانتحار بينهم بلغت 50 حالة باعتراف القوات الأميركية فيما تزداد الأوضاع في العراق تعقيداً· الإدارة الأميركية وعلى رغم هذا الفشل الذي تحاول أن تخفيه بالتضليل الإعلامي تعتبر أن احتلالها للعراق بداية لمرحلة طويلة تهدف إلى تغيير معالم العالم العربي ضمن استراتيجيتها التي تضمنتها وثيقة مشروع القرن الأميركي الجديد للسيطرة على العالم· والذي يهمنا هو أن نقرأ جيداً ما جاء في هذه الوثيقة التي تنص على:
1- أن تتحول سياسة أميركا من الردع إلى سياسة الهيمنة العسكرية والتفوق العسكري في جميع أنحاء العالم·
2- منع أية دولة معارضة لسياسة أميركا من تطوير قدراتها العسكرية·
3- مواجهة إيران والعراق وكوريا الشمالية·
4- زيادة القواعد العسكرية الأميركية حول العالم·
5- الانسحاب من معاهدة الحد من الصواريخ المضادة للصواريخ العابرة للقارات·
6- معارضة إنشاء المحكمة الجنائية الدولية·
7- تطويع دور المنظمات الدولية بحيث يصبح دورها مسانداً لأهداف الولايات المتحدة وحلفائها·
وفيما يخص الشرق الأوسط فإن الوثيقة تشير إلى أن الشرق الأوسط هو المدخل الطبيعي لتطبيق استراتيجية القرن الأميركي الجديد، وأن إسرائيل يجب أن تظل هي الدولة النووية الوحيدة في هذه المنطقة القادرة على التدخل في أوقات الحسم العسكري وكل الحروب التي سيتم خوضها في هذه المنطقة لابد أن تكون تحت شعار رئيسي مشترك لا يمثل خطراً على الأمن الأميركي، ولكن على أمن وسلامة العالم، وأن السيطرة العسكرية الأميركية في أي بلد من دول الشرق الأوسط سوف ترتبط بنطاق معين وهو نقل السلطة الكاملة إلى أشخاص أوفياء تابعين لواشنطن لا يفعلون شيئاً أو يقوون على اتخاذ قرار بدون الرجوع إلى البيت الأبيض، وأن كل دولة شرق أوسطية قادرة على أن تتجدد عسكرياً في مدة قصيرة لابد أن تكون مستهدفة· إن أكثر الدول التي تنطبق عليها هذه المفاهيم هي العراق ومصر وإيران وسوريا·
وتركز الوثيقة بقوة على موضوع الإسلام، حيث ترى أن الإسلام خطر على الثقافة الأميركية التحررية وهو قوة مضادة لنشر هذه الثقافة في العالم الإسلامي، وأن الانتصار العسكري والسياسي سوف يتيح الامكانات للتسلل إلى داخله بحيث تصبح الثقافة الأميركية هي القدوة· والملاحظة المهمة في هذا الموضوع هي ما أشار إليه السيناتور الأميركي السابق بول فندلي ، وهو الارتباط الوثيق بين هذا المخطط وما يجري على الساحة العراقية وهذا الأمر كان معداً من قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بعشر سنوات·
لكن ما هو الدافع الحقيقي وراء كل هذا التحول الخطير في السياسة الاستراتيجية الأميركية نحو العالم الإسلامي؟ يقول مايكل ميتشر وزير البيئة البريطاني السابق إن الدافع الحقيقي وراء كل هذه المشروعات الاستراتيجية والمناورات السياسية والأكاذيب الدعائية المضللة حول مسألة حرب الإرهاب أن الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا بدأتا تشعران باضمحلال موارد الطاقة الهيدروكربونية المضمونة وبحلول سنة 2010 سيكون العالم الإسلامي يتحكم في ما يصل إلى 60% من إنتاج النفط العالمي· والأعظم من ذلك أنه سيكون متحكماً بـ95% من الطاقة التصديرية العالمية، ومن شأن هذه الوضعية أن تزيد من الاعتماد على واردات النفط الخارجي بالنسبة لأميركا وبريطانيا·
نحن في الحقيقة أمام مخطط استراتيجي استعماري خطير، وأزمة صعبة تحتاج منا إلى الوحدة ورص الصفوف واليقظة والوعي والحذر وقراءة التحركات السياسية التي تلف عالمنا العربي والإسلامي قراءة جيدة ودقيقة حتى لا نتحول بين يوم وليلة إلى لقمة سائغة في يد الاستعمار الجديد·