يتذكر جراح الأعصاب البريطاني «هنري مارش» أجواء المشافي بكثير من الأسى، فيقول: إنها تذكر بالمعتقلات، تنزع ثيابك، تلبس أثواباً لا تستر، تحمل رقماً، تلقى حبيساً في غرفة.. إلخ. قد تكون هذه للأطباء والعاملين الفنيين مريحة، فهم يريدون مريضاً مستسلماً، لا اعتراض لديه ولا مقاومة، خائف وجاهز لأي فحص. ويروي الجراح «مارش» ما دفعه لاختيار طريق الطب، وهو أنه تعرض لنكسة عاطفية دفعه للهروب نحو الجبال والعمل في مقالع الحجارة، عسى أن يجد الهدوء في نفسه. نشأ الرجل في عائلة ارستقراطية، ودرس في أفضل المدارس، وتعلم اللاتينية والإغريقية القديمة، مع هذا كان يعشق العمل اليدوي، وهو متوافر في الجراحة. وحين اتخذ قراره بدراسة الطب، جمع المال من زوجته الأولى ووالده، وأضاف لها إعانة من الحكومة، حتى يتمكن من إكمال مهمته فيتخرج طبيباً، فتخرج في كلية الطب عام 1979. لكن الرجل يعلّق على وسط الجراحين قائلاً، إنه بغيض وإن القليل من الجراحين يتحلون بروح طيبة. بل اتهمهم بأنهم غير متزنين، ولم يشاطرهم نظرتهم للحياة. ويروي الرجل تعجبه من جراحة الأعصاب بصفة خاصة، وكيف يقص المرء ويقطع في المادة التي يتدفق منها الوعي والأفكار والمشاعر! قال إن ذلك كان يصدمه، لكن لا بد منه، فهنا ممرات الوعي وأمكنة الغرائز، حيث جدلية الروح والمادة في ثنائية البدن والروح. ومن عملياته الأخيرة تلك التي أجراها للمريض لورانس، حيث دخل على مكان حساس للغاية، حيث تلتقي قاعدة الدماغ مع خروج النخاع إلى الظهر. قال عنها: كانت عملية قاسية وصعبة في مكانها، حيث على الجراح أن يشتغل على ثقب بمقدار خمسة سنتيمترات وبالمجهر، وكانت نازفة. يقول: دامت خمس ساعات كأنها خمسة قرون، وفي إحدى المراحل والدم يتدفق، قال في نفسه: لقد تعبت، يجب أن أتوقف! لكن ذلك لم يكن ممكناً مع ضميره. ويلاحظ «مارش» أن جراحة القلب أيضاً خطيرة، وكذلك كل الجراحات، لكن جراحة الأعصاب خاصة تترك بصماتها عجزاً وخرساً وشللاً وقعوداً. جراح القلب إن فشلت عمليته مات مريضه، أما في جراحة الأعصاب فالموت أرحم من العاهة. ومن قصص الجراحات المثيرة، يروي واقعة المريضة «ميلاني» (28 عاماً)، وكانت في الأسبوع الـ37 من حملها، لكنها أصيبت بورم دماغي بدأ يؤثر على قدرة البصر عندها. يقول: أدخلناها قاعة العمليات، وبضربة واحدة رفعنا الورم الضاغط على العصب البصري، وأجرينا لها عملية قيصرية، فاستيقظت من البنج لترى وليدها وقد عاد إليها بصرها. وفي حالة مريض آخر لا يحتاج لأنبوب معدة، قام طبيب آخر متطفل وأدخل أنبوب شفط السوائل عبر الأنف إلى المعدة. يقول «مارش»: فقدت أعصابي، ورفعت صوتي، وسحبت مريضي إلى جناح آخر، واستطعت رفع أنبوب المعدة من أنفه فاستراح واسترحت. ومن الحكم التي يذكرها «مارش» أن على الطبيب أن يكون حكيماً، يراعي هموم المريض وأهله. وفي هذا الخصوص يتحدث عن واقعة مريض أجرى له ثلاث عمليات، وبعد كل مرة ينكس الورم، لكنه بعد المرة الرابعة خسر المريض بالورم الدماغي الناكس. ثم يعقب ويقول: كان عليّ أن أعظه فأقول له لقد حان وقت الموت براحة ودون جراحة. وبالمقابل، يذكر حالة سيدة مسنة مصابة بورم تقبلت نصيحته، ليلاحظ أنه مع التقدم في السن يزداد مقدار تقبل المرء لحقيقة الموت.