من غير المرجح أن أحداً من البشر قبل قرن من الزمان- أي عندما كان يجري صنع السيارات الأولى في التاريخ، خطر على باله أنه سيقوم بتغيير سلوكه الجنسي· غير أن السيارات سرعان ما أعطت الشباب خصوصية محمولة أو متنقلة- إذ صار في وسعهم أن ينطلقوا بالسيارات إلى زقاق العشاق بعيداً عن أعين ورقابة وفضول آبائهم وأمهاتهم، وليفعلوا هناك أفعال الشباب المعتادة تلك! لقد غيّرت السيارات أيضاً كل شيء، بدءاً بشكل المدن ووصولاً إلى اعتمادنا على أنواع الوقود المتحجر وهكذا أدّت- كما قد يقول البعض- إلى الحروب في سبيل السيطرة على نفط الشرق الأوسط·
والحقيقة أن لكل التكنولوجيات عدداً كبيراً -إن لم يكن لا نهائياً- من التأثيرات الجانبية، التي قد يكون البعض منها أكثر أهمية وأكثر دواماً من تأثيراتها المركزية· ويصح ذلك خصوصاً عندما يتحقق اللقاء والتقارب بين اثنتين أو أكثر من التكنولوجيات·
وخير مثال على التكنولوجيات التي يتحقق اللقاء بينها، والتي من المرجح أن تؤثر في سلوكنا الشخصي بطرق غير مقصودة، يأتينا في اجتماع واندماج الهاتف الجوال والكاميرا·
وقد رسم جورج أورويل في روايته القوية،التي حملت عنوان 1984 ، صورة نظام ديكتاتوري استبدادي يستعين فيه البوليس السري بالتكنولوجيا للتجسس على كل ما يقوله البشر أو يفعلونه-وذلك كله، كما هو مزعوم، يأتي لتحقيق الفائدة للناس· وقد أتى مصطلح الأخ الأكبر الذي أطلقه أورويل ليعني أية حكومة تراقب كل ما هو خصوصي وسري في حياة المواطنين، من أفكار ومواد قراءة واتصالات، وذلك لأغراض السيطرة السياسية·
لكن الأخ الأكبر اليوم ليس وحيداً كسابق عهده: إذ باتت خصوصية الفرد تتعرض للتحديات من العم الأكبر أيضاً- أي الشركات الكبيرة التي تريد أن تعرف عنك كل شيء، بحيث يمكنها أن تصمم لك منتجات وخدمات تزداد تخصيصاً في مواصفاتها على نحو مطرد، وذلك بهدف تلبية احتياجاتك· وقد تحول ذلك العم إلى قطاع هائل ونشاط تجاري متعاظم معني بجمع وبيع كل شيء يتعلق بك، من سجلاتك الطبية مروراً بما تقوم به من عمليات شراء باستخدام بطاقة الاعتماد، إضافة إلى أرقام رخصة قيادة السيارة، ووصولاً إلى عادات الأكل التي تتبعها·
غير أن هذه الانتهاكات التي تخترق خصوصية الفرد سرعان ما تتقزم بقدوم المتلصص الأكبر - الذي يأتي بصورة الملايين من البشر الذين يسترقون النظر ويتلصصون باستخدام كاميرات الهواتف الرقمية لالتقاط صور لكل شيء وفي كل مكان: من مراحيض المدارس وغرف تبديل الثياب الخاصة بالنساء، مروراً بالسلوك العادي للأزواج الذين يتناولون العشاء في مطعم أو للأشخاص الذين ينكشون ويحفرون في أنوفهم أو يحكون ظهورهم! وقد قام الكثير من أولئك المتلصصين بنشر ما التقطوه من صور على شبكة الإنترنت بغرض تسلية غيرهم من المتلصصين· لكن هذه ليست إلا بداية الحكاية، إذ يمكنك اليوم أن تشتري هاتفاً ذكياً يكافئ في قوته ووظائفه الكثيرة كمبيوتراً شخصياً موصولاً بشبكة الإنترنت· وتقول التقديرات إن مبيعات هذه الهواتف ستبلغ 100 مليون هاتف في السنة الواحدة وذلك بحلول عام ·2008 وتقول مجلة :(New Scientist) إن (الهاتف) يعمل تماماً كأي هاتف أو سماّعة هاتف عادي· غير أن اتصالاً واحداً وارداً من رقم معين سيكون كفيلاً بتشغيله دون أن تدري· وبذلك سيجري التقاط كل كلمة تقولها ثم يجري إرسالها عبر الشبكة إلى من يسترق السمع ويتلصص عليك، كل ذلك وأنت لا تدري أن هناك من يصغي إلى كلامك · أما الخطوة التالية فسوف تكون بدمج الصوت مع الصور·
وسرعان ما سنتوقع وصول جنود قوات العاصفة المعنيين بمكافحة التدخين، ليجوبوا كل مكان ويلتقطوا صوراً للمدخنين متلبسين بالجرم المشهود ثم يقدموا الصور كدليل قاطع على أن قوانين حظر التدخين تتعرض للانتهاكات· أما المتعصبون الدينيون فمن الممكن أن يستخدموا تكنولوجيا نسف الخصوصية الجديدة ليفضحوا على الملأ رعايا الكنيسة أو الجيران وليجعلوا منهم أضحوكة للناس، وذلك بالتقاط صور لهم وهم منهمكون في غمرة ارتكاب الزنا أو في استراق فرصة لاحتساء كأس من الويسكي أو في تناول الطعام في يوم من أيام الصوم· وتشكل الأدوات الجديدة أداة رائعة للمبتزين المنحطين أيضاً- حيث يقوم المتلصص بتصوير الأطفال متلبسين بتعاطي المخدرات ثم يهددهم بإرسال صورهم إلى آبائهم وأمهاتهم ما لم يقدموا إليه رشوة·
وقد تكون الخطوة التالية هي التلاعب بالصور بحيث تعرض سلوكاً لم يحدث على الإطلاق في واقع الحال- ليظهر فيها، على سبيل المثال، موظف (ذكر أو أنثى) في المتجر ينشل إلى جيبه نقوداً من الصندوق، أو أحد الجيران وهو يشتري منشورات سياسية متطرفة، أو يصور رب أو ربة العمل لدى قيامه أو قيامها بإطلاق إيماءة، غير مرغوبة وترشح بالإغواء الجنسي، وموجهة إلى موظف أو موظفة· باختصار أقول إن الهاتف المزود بكاميرا ستكون له تأثيرات واسعة النطاق على كل شيء في حياتنا، بدءاً من تعريفاتنا للخصوصية وحقوق الإنسان، ووصولاً إلى البيانات والمعلومات-الصحيحة منها والزائفة- والتي نتركها ور