هل هنالك مَنْ يُشكِّك في أن العالم الراهن هو الأكثر امتلاءً وغلياناً بكل أنواع الانتهاكات والجرائم والموبقات والرذائل وأنماطها في هذا القرن والقرن السابق عليه، إذا لم نقل في كل أو في معظم القرون السابقة ربما باستثناء الأزمنة السحيقة السالفة عليها والموصوفة بالوحشية الفاقعة، مع الإشارة إلى أن تلك الوحشية كانت سابقة على نشوء «الإنسان العاقل»، تلك هي المسألة في شِقها الأول. أما الشق الآخر منها فيتمثل في فرادتها وفي الوسائل المستخدمة فيها، تلك الوسائل التي تجسدت في الثلاثية التي أنتجت ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا يد اقترفت! إنها ثلاثية تحطيم الأخضر واليابس أولاً. وإنها، ثانياً، تقتل الأطفال، والنساء والرجال، مستخدمة في ذلك كل طرق تفكيك الحياة وسحقها بكل الوسائل التي أنتجها التاريخ البشري الطويل. ويتجلّى ذلك في أخطر وسائل تدمير الحياة وأكثرها بربرية، من الغازات السامة والحرب الكيماوية إلى إنتاج مزيج من الشرّ الصُّراح والمفضوح، وهو مزيج الدم الثاني بدموع القهر النافرة من العيون المرهقة المحطّمة. أما الشق الثالث من ثلاثيتنا فيتمثل في العار المُشين، الذي يغطّي شرف البشرية ومُثُلها. نعم، لقد أطْلعتْنا المفوضية العامة للاجئين بجنيف قبل حين على أن أكبر نسبة من ستين مليوناً من المهاجرين والنازحين والهاربين، بسبب الحروب التي شرّدتهم، هم من سوريا والعراق، وأن أكثر هؤلاء من السوريين. لقد انساح هؤلاء في أرض الله الواسعة، المفتوحة والمغلقة، باحثين عن مأوى يحافظون فيه على كرامتهم المستباحة، ولقمة عيشهم المسروقة، وأمانهم المسلوب منهم تحت وقع السلاح، ومحققين بذلك المثل الإنساني الحصيف الذي يعبّر ببلاغة عن واقع الحال والقائل عبْر أسلاك الموت: السلاح بأيدي أوباش التاريخ بيجْرح! ذلك هو الوجه الأول: أما وجهها الثاني، وهو ما لم يدركه القتلة، ولم يكن لهم أن يدركوه، فهو ذاك الذي سيفاجأ به هؤلاء عاجلاً أم آجلاً: إن الرسالة الحضارية، التي تتلبّس أولئك المهاجرين والنازحين والهاربين ستدعوهم بكل الحب والجد وحيثما كانوا، إلى الجد في إعادة نشر الحضارة التي افتتحوا بها التاريخ، مع غيرهم من الشعوب منذ قرون، وذلك بابتداع ما مكّن الإنسان العاقل من صنع الحياة وجعْلها في متناول الجميع في الشرق والغرب، كما في الشمال والجنوب. وهنا يصح أن نستعيد ابن خلدون وهيجل، اللذين أسهما في فضح أعداء تلك الحضارة، أو في فضح ما ظل خبيئاً، حيث ظل غير ذي بال من قِبل الكثير ممّن أبقوه خارج الاهتمام: ابن خلدون في تأكيده على أن الظلمة والجَهَلة ستذهب ظلاماتهم وجهالاتهم مع الريح، بل إن «لها يوماً»، وهيجل الذي كشف الغطاء عما أطلق عليه «مراوغة التاريخ». في هذا وذاك يتضح أمامنا ما هو أهم في تناولنا للمأساة السورية المريعة، التي طالتْ أجيال سوريا كلها، إنه التناول الذي يشترط الانطلاق من ثلاث منظومات منهجية حاسمة، تلك هي التي تلح على أنها الحكم المنهجي في تناول ما نحن بصدده. أما أولاها فتؤكد قطعاً على رفض النزعة «التقسيمية» سليلة الاستراتيجية الاستعمارية، في حين تنطلق ثانيتها من إدانة قاطعة للنزعة «الطائفية» الغريبة عن تاريخ الشعب السوري وراهنه، وأخيراً يجري التأكيد على النزعة الثالثة، التي يعمل صُنّاعها على تعميمها بحجة تعقيد المواقف كلها، ونعني بها الدعوة إلى «الثأرية»، وحيث تدخل تلك المنظومات المنهجية في عمق الواقع السوري، فإن الحلّين السلمي والسياسي يكونان أمامنا.