«داعش» تتحدى العالم، وهذه المرة أربع هجمات تستهدف ثلاث دول في ثلاث قارات مختلفة، وحصيلة قتلى تقدر ب 67 شخصا ذهبوا ضحايا للجنون «الداعشي» واستراتيجية الهجمات العشوائية وإرهاب التأجيج الطائفي، الذي تلعب فيه أيدي خفية دورا كبيرا لاستهداف الخليج العربي بالذات. ف«داعش» تتعامل مع أخطائها وأخطاء تنظيم «القاعدة» في اختيار الأماكن والتوقيتات وسياسة «داعش» في النيل من الأهداف السهلة في عدة قارات ودول تربك العالم وتجعله لا يعرف من أين ستأتيه الضربة القادمة في ضوء تشعب الحاضنات السياسية والدينية للعنف الإيديولوجي. وبعد أن فشلت آلة الدعاية لدولة الخلافة الإسلامية عقلانياً وتصعيدها إعلامياً فقط، أصبح التنظيم في وضع يائس ومستعد لفعل أي شيء لجعل المفهوم حياً من جديد في عقول العالم وخاصة الشباب المسلم المتحمس للدفاع عن الإسلام، والذي يؤمن بأن الإسلام في حرب مع الغرب، وليس بالضرورة أن يكونوا متطرفين أو إرهابيين. ومجرد نجاح زرع هذه الفكرة في نسبة غير صغيرة من عقول الأجيال الشابة في الأمة الإسلامية هو مفتاح السر في استمرار الإرهاب والتطرف. ومن جهة أخرى، تتبنى «داعش» نمطاً إرهابياً يُعتقد بأنه يتم بالتعاون مع مخابرات دول يهمها التصعيد الطائفي في المنطقة والتصعيد الديني في العالم. في حين تبني أجهزة الأمن في العالم خططاً وإجراءات دفاعية تعتمد على الحماية والتأمين وردود الفعل بدلاً من أن يجعلوا الهجوم غير وسيلة للدفاع، وهم يفعلون كل شيء بوسعهم، ولكنهم يصطدمون بفهم ضحل لجذور التطرف الجوهرية، حتى أصبح يبدو للبعض أن التدين والدين في قفص الاتهام، وهو ما تريده الجماعات المتطرفة وتأصيل نظرية داخل المجموعة وخارج المجموعة في علم النفس الاجتماعي وتسخيرها لخدمة فكرة مفادها أن الدين مستهدف والجهات الأمنية في الدول ضد الدين. والمخيف في الأمر أن وقف التجنيد لظاهرة «الذئاب المنفردة» أو وقف تمويل العمليات الإرهابية أمر مستحيل تحقيقه، فهناك صناعات غير تقليدية تصل مداخيلها لمليارات الدولارات تقع خارج تغطية الرادار الأمني، وبالتالي سوء التقدير في أهمية تلك الظواهر في صناعة الإرهاب والتطرف. إنها مرحلة جديدة من الإرهاب العالمي، ظهرت خلال الهجمات الإرهابية التي وقعت الأسبوع المنصرم في الكويت وتونس وفرنسا ونيجيريا، وتوجيهات عامة تصدر للمؤيدين والمتعاطفين مع «داعش» وغيرها من الجماعات التي تتبنى منهجية العنف المسلح دون تفريق بين مسلم وغير مسلم. وكل معارض للتنظيم هو كافر دمه مباح ما لم يذعن له ويقر ببيعته أو بشرعية وجوده. والهجمات المنسقة عبر القارات من شأنها أن تكون تطوراً كبيراً جداً، ولكن ليس مفاجئاً ومتوقعاً. ففي الخليج يريدونها فتنة طائفية، وفي تونس يريدون قتل أسلوب الحياة المدنية وذبح اقتصاد البلاد وجعلها تركع على ركبتها لنظام حكم بعينه. وفي فرنسا وأوروبا بصورة عامة فزاعة «أسلمة» البلاد، أو «الإسلام شر في ذاته»، ولا بد من التخلص من المسلمين، ومن دون أي اتصال يذكر بين صفوف الناشئة المسلمة الملتزمة في أوروبا وهدم أوروبا من الداخل، وأيديولوجية السياحة الجهادية، وأيديولوجية الاتشار الانشطاري العشوائي للعنف صيغة بطريقة سينمائية تروق لبعض الشباب المسلم وغير المسلم على حد سواء، مما جعل «الداعشية» حراكاً دموياً يختزل الكثير من الـ «روبون هوديات» الحالمة بالكفاح العالمي ضد الإمبرياليات في العالم، واتخاذه شعار تغذية «داعش» افتراضياً لدعم فكرة الخلافة و«دار السلام والحرب»، وجعل ما يسمونه «الجهاد الفردي» حجر زاوية لمفهوم «الجهاد الحديث» لديهم. إذاً هي حرب إستنفار واستنزاف لتقسيم الحضارات على أسس العصبية الدينية وصولاً للهدف النهائي من خلال تهيئة الأرضية المناسبة لخوض أم المعارك بين العالم الإسلامي والعالم النصراني واليهودي وفق معتقدات تلك الجماعات، وهم يرون في ذلك انتصاراً كبيراً، لأن العالم أجمع قد وقف ضدهم، وهي وفق الأسطورة الحبكة التي ستخرج منها الجماعة التي ستنتصر للدين الإسلامي. وما أريد أن أذهب إليه هنا أن الإسلام نفسه مخترق ووقع تحت هجوم عنيف ونحن لا نلتفت إلا للإرهاب العنيف ومرجعيات ومصادر الفئات التكفيرية الإرهابية. لكن ماذا عن إرهاب الفكر الذي نعتقد بأنه معتدل وجعل الدين مطيه يركبها الظلاميون لهدم الدين؟ وما أكثر من يخدعوننا بحياديتهم أو معارضتهم للفكر التكفيري وما يبطنونه ويقولونه في دوائرهم الخاصة عكس ذلك تماماً. فالخرافة والتأويل الأسطوري للدين والكثير من أوجه المنتج البشري المكمل لمنظومة النص الديني المقدس صديق الإرهاب المفضل. ومتى ما فصلنا جهود مكافحتهم معاً كتهديد مشترك، خطونا خطوة للخلف في جهود مكافحة الإرهاب والتطرف.