قرر رئيس سريلانكا، «مايثريبالا سيريسينا»، أول أمس السبت حل برلمان بلاده، داعياً لإجراء انتخابات تشريعية جديدة، وذلك بعد تطورين بارزين في الحياة السياسية والدستورية لسريلانكا، أولهما تصويت البرلمان بأغلبية كبيرة في أبريل الماضي لمصلحة تقليص صلاحيات الرئيس، متيحاً إمكانية مساءلته أمام نواب الشعب. أما التطور الثاني فكان مشروع الاستجواب الذي قدمته أحزاب المعارضة إلى البرلمان، ودعت فيه إلى حل الحكومة وتشكيل حكومة جديدة وفق أغلبية المقاعد النيابية، وقد وقّع عليه نصف عدد أعضاء السلطة التشريعية. لكن ما الهدف الحقيقي من حل البرلمان.. ومَن هو سيريسينا الذي أصدر قرار الحل؟ «سيريسينا» سياسي سريلانكي، كان عضواً في البرلمان وقد تقلّد عدة حقائب وزارية، قبل أن يصبح رئيساً لبلاده في يناير الماضي، في انتخابات رئاسية رسخت التحول الديمقراطي في سريلانكا. ولد «مايثريبالا سيريسينا» عام 1951 في قرية «ياجودا» بإقليم «جامباها» في غرب سريلانكا، لكنه ينحدر من المنطقة الوسطى الشمالية، وقد أصبح أول رئيس للبلاد يأتي من تلك المنطقة. وهو ابن عائلة مزارعة فقيرة، خلافاً لكثير من القادة السياسيين في سريلانكا. فقد حصل والده خلال الحرب العالمية الثانية على خمسة أفدنة من الأراضي المخصصة لزراعة الأرز في منطقة بولونارووا في الغرب، وكانت أمه معلمة مدرسة ابتدائية. وبعد أن أكمل تعليمه الثانوي التحق بمدرسة سريلانكا للزراعة في بولونارووا وتخرج منها بدبلوم عام 1973. كما حصل على دبلوم في العلوم السياسية من معهد ماكسيم جوركي في روسيا عام 1980. انضم سيريسينا للحزب الشيوعي مبكراً، وشارك في أنشطته المناهضة للحكومة. ثم انتقل في سن السابعة عشرة إلى «حزب الحرية»، المصنف منذ تأسيسه عام 1951 ضمن يسار الوسط، وأصبح أميناً لمنظمته الشبابية في منطقة بولونارووا عام 1968، وفي عام 1970 دخل السجن لمدة 15 شهراً لتورطه في التحضير لانتفاضة مزعومة. وتدرج في سلم الترقيات داخل الحزب حتى نال عضوية المكتب السياسي عام 1981، ثم أصبح أمين الصندوق فيه عام 1983. دخل سيريسينا البرلمان السريلانكي عام 1989، وكان الأمين العام لـ«حزب الحرية» السريلانكي، وتقلد عدة حقائب وزارية منذ عام 1994، كانت آخرها حقيبة الصحة التي شغلها حتى نوفمبر الماضي عندما أعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية باسم ائتلاف المعارضة. فقد أعلن سيريسنا، في 21 نوفمبر 2014، أنه سيتحدى الرئيس ماهيندا راجاباكسا في الانتخابات الرئاسية لعام 2015، كمرشح توافقي لقوى وأحزاب «الجبهة الديمقراطية الجديدة» المعارضة. وقال إن سريلانكا تتجه نحو الديكتاتورية، وإن استشراء الفساد والمحسوبية وانهيار سيادة القانون.. بلغت حداً مقلقاً وغير مسبوق. وعقب إعلان سيريسنا، وكان يقف إلى جانبه في المؤتمر الصحفي مجموعة من الوزراء أعلنوا دعمهم له، تم تجريدهم جميعاً من مناصبهم، كما طُردوا من «حزب الحرية» الحاكم بزعامة راجاباكسا. وأسفرت الانتخابات الرئاسية المنظمة يوم 8 يناير 2015 عن مفاجأة غير متوقعة، تمثلت في فوز سيريسينا، الذي استطاع إزاحة الرئيس راجاباكسا بعد عشر سنوات أمضاها في سدة الحكم، وذلك بحصول الأول على 51?28? من الأصوات، مقابل 47?58? للثاني، رغم الشعبية الكبيرة، التي كان يحظى بها راجاباكسا قبل خمس سنوات عقب الانتصار العسكري الحاسم، الذي أحرزه ضد جبهة نمور تحرير تاميل «إيلام» عام 2009. ويعود الفضل في فوز سيريسينا إلى أصوات الدوائر الريفية ذات الأغلبية السنهالية، وأصوات التاميل والأقليات المسلمة، التي شعرت بنفور متزايد حيال حكم راجاباكسا، خاصة إثر تراجعه عن وعود المصالحة بعد انتهاء الحرب وتنامي الطائفية والعنف. وتعهد سيريسينا بتنفيذ برنامجه للإصلاح في 100 يوم، بما في ذلك إعادة التوازن إلى السلطة التنفيذية، وتعزيز السلطة القضائية، وزيادة سلطات البرلمان، والبدء بمحاربة الفساد والتحقيق في جرائم حرب يُقال إنها ارتكبت عام 2009. وأدى سيريسينا اليمين الدستورية كسادس رئيس لسريلانكا يوم 10 يناير في ساحة الاستقلال، وأعلن 21 نائباً برلمانياً عن «حزب الحرية» تأييدهم للرئيس المنتخب، فأصبح لديه ما يكفي من الدعم في البرلمان لتأمين الأغلبية، فشكل الحكومة المؤقتة في 12 يناير، واحتفظ فيها لنفسه بمنصب وزير الدفاع، وعين «رانيال ويكراميسينجث»، زعيم «الحزب الوطني المتحد»، رئيساً للحكومة التي مُثلت فيها بقية أحزاب «الجبهة الديمقراطية الجديدة»، وأسند الشؤون الاقتصادية والمالية لاثنين من أكفأ المختصين. وقام طوعياً بنقل جزء من صلاحياته إلى البرلمان، وأعلن أنه لن يترشح لمأمورية رئاسية ثانية، ودعا بقية الأحزاب السريلانكية للانضمام لحكومة وحدة وطنية. وكان من الإجراءات الأولى المتخذة في عهده رفع الحظر عن المواقع الإخبارية، التي منعت في عهد سلفه، والبدء بسن مشروع قانون الحق في المعلومات. ومنذ توليه رئاسة سريلانكا، لم يفتأ سيريسينا يؤكد أن المصالحة بين شمال وشرق البلاد، بعد ثلاثة عقود من الصراع بين القوات العسكرية والتمرد العنيف لأقلية التاميل العرقية، من أولويات حكومته. وقال، الشهر الماضي، إنه على الرغم من إعادة تشييد المباني والطرق المدمرة، فإنه لم تكن هناك أي مصالحة لـ«إعادة بناء القلوب والعقول المحطمة». لكن يبدو أن وعود التنمية والمصالحة وترسيخ الحريات العامة.. كل ذلك يتوقف على وجود برلمان يملك فيه سيريسينا ومؤيدوه أغلبية كافية لدعم سياساته وخططه الحكومية، لذلك وعد في حملته الانتخابية بتنظيم انتخابات برلمانية قبل عامين من الموعد المحدد. ورغم أن البرلمان المنحل كان متعاوناً في بعض مشاريع القرارات التي قدمها سيريسينا، خاصة ذلك المتعلق بتقليص سلطات الرئيس، وإنهاء حصانته من المساءلة، وسحب صلاحية تعيين كبار الموظفين في قطاعات الأمن والعدل والخارجية من يده، فإنه قد لا يكون متعاوناً بالدرجة ذاتها في قضايا ومشاريع قرارات أخرى. ومن هنا جاء قرار حله، على أمل أن تأتي الانتخابات المنتظرة في غضون شهرين ببرلمان تحظى فيه «الجبهة الديمقراطية الجديدة» بأغلبية مريحة تساند سيريسينا ولا تعانده. لكن القرار يأتي أيضاً بهدف استباق محاولة المعارضة لحجب الثقة عن حكومة «رانيال» من خلال البرلمان، في لعبة سرعان ما أفضت إلى خيار الانتخابات المبكرة، وقد تأتّى له ما يكفي من مبررات، على رأسها المصالحة المتعثرة. محمد ولد المنى