عدت قبل مدة من دبي بعد مشاركتي كضيف في الدورة السنوية الـ 14 لمنتدى الصحافة العربية. لن أكتب هذه المرة عمن قابلت، أو عما وقعت عليه عيناي من أنشطة وحوارات وعروض يومية متواصلة في ميادين الفن والفكر والأدب والإعلام في جو مفعم بالود، أو عن الابتكار الجديد المتمثل في «الممشى الثقافي» حيث يتجول الضيف ويختار ما يشاء من تجمعات وحوارات هنا أو هناك، دون أن تحول بينه وبين المشاركة حواجز الانتظار والاختيار للتحدث. سأتجاوز كل ذلك لأركز على حدث على هامش المنتدى هو اختياري، ضمن مجموعة من الكتاب والشخصيات الإعلامية من جنسيات عربية مختلفة، للقيام برحلة بحرية إلى «ميناء جبل علي» على متن اليخت الخاص لمعالي سلطان بن أحمد بن سليم رئيس مجلس إدارة موانيء دبي العالمية. كنتُ قد سمعتُ بهذا الميناء كثيراً، لكني لم أكن على علم بقصة ظهوره على الخارطة، أو بحجم منشآته، أو بالدور الذي يلعبه في حركة التجارة والشحن العالمية. وبعبارة أخرى كنتُ أحسبه ميناء كأي ميناء آخر، وهو ما تأكد لي الآن عكسه. بدأت قصة الميناء- كما رواها لنا بن سليم- في السبعينات حينما طــُرحتْ فكرة تأسيس ميناء يتمتع بعمق مائي مناسب لاستقبال بواخر الشحن العملاقة التي كانت تتجنب ميناء راشد بسبب عمقه المائي المتواضع، وتفضل عليه الرسو في ميناءي عدن وصلالة. يقول بن سليم إنه بمجرد أن حصلنا على الضوء الأخضر من حكومة دبي رحنا نضع الخطط، ونخصص الميزانيات ونجلب الخبرات الهندسية والفنية وننتقي الأيدي العاملة المؤهلة من أجل إقامة الميناء البديل القادر على استقبال أضخم بواخر الشحن وتقديم أفضل الخدمات لها في قرية «جبل علي» الواقعة على بعد 35 كيلو مترا من وسط مدينة دبي. وأضاف قائلاً : إنه بعد إنجاز المشروع في 1979 استخفتْ شركات الشحن العالمية به في البداية وأعلنت أنها لن ترسل بواخرها إلى الميناء الجديد. غير أن عاصفة بحرية هوجاء ضربتْ ميناءي عدن وصلالة ذات مرة، مما دفع بإحدى البواخر الصينية العملاقة إلى تغيير مسارها واللجوء إلى «ميناء جبل علي». فكان هذا الحدث كفيلا بانتشار اسم الميناء وما يقدمه من خدمات متميزة بين شركات الشحن العملاقة. واليوم يبرز الميناء كعلامة من علامات النهضة الجبارة التي تعيشها دولة الإمارات عموماً وإمارة دبي خصوصاً. كيف لا وقد أصبح أحد أهم موانئ الشرق الأوسط، وواحداً من أكبر عشرة موانئ للحاويات في العالم بطاقة استيعابية سنوية تبلغ 15 مليون حاوية، بل صار أكثر من مجرد ميناء، بتحوله إلى مدينة مكتملة الخدمات يسكنها أكثر من مئة ألف نسمة، ومنطقة للتجارة الحرة ذات مزايا، خاصة من تلك التي تلبي مختلف احتياجات الشركات الصناعية والتجارية مثل الأراضي والمستودعات والمعارض والمكاتب، والحلول الإنشائية، ومنافذ بيع التجزئة، ومجمع الأعمال، ومنشآت التبريد عالية المستوى، والوحدات السكنية، والخدمات الجمركية، وخطوط الاتصال بالعالم براً وبحراً وجواً. هذا ناهيك عن عوامل الجذب الأخرى مثل الملكية الأجنبية الكاملة، والإعفاء من الضرائب ورسوم الاستيراد وإعادة التصدير، وعدم وجود أي قيود على تحويل رؤوس الأموال واستقدام العمالة الاجنبية. غير أنّ أكثر ما لفت نظرنا بعد اقتيادنا إلى غرفة العمليات الخاصة بمراقبة أعمال المناولة والتفريغ والتحميل والتحكم بها على بعد هو أن كل القائمين بتلك المهام الدقيقة هم من فتيات الإمارات المؤهلات إلى جانب بعض الذكور من ذوي الاحتياجات الخاصة. وفي هذا السياق أخبرنا مضيفنا بن سليم أن الأمور كانت مرهقة ومكلفة ومحفوفة بالمخاطر في ظل المراقبة والتحكم اليدوي، لكنها أصبحت اليوم عكس ذلك بعد اللجوء إلى الحلول الآلية والإلكترونية. في تلك الغرفة سمعنا من الدليل المرافق إحصائيات وأرقام تقول: إن «ميناء جبل علي»، الذي يعد أكبر ميناء من صنع الإنسان في العالم، يستقبل أسبوعياً أكثر من 90 رحلة، ويرتبط مباشرة مع 140 ميناء حول العالم، وهو مجهز بـ 23 رصيفاً و 78 رافعة، وقادر على استقبال جميع السفن من أي حجم أو حمولة. كما استمعنا إلى شرح عن الخطط التوسعية القادمة والتي تشمل بناء محطة حاويات جديدة برصيف يمتد على طول 1860 متراً، مع 19 من أكبر الرافعات وأكثرها تطوراً لجهة خاصية التحكم عن بعد، إضافة إلى 50 رافعة جسرية تعمل بشكل آلي وآمن، ومنطقة تخزين بمساحة 70 هكتاراً، وعمق غاطس 17 متراً، وذلك بهدف زيادة الطاقة الاستيعابية إلى 19 مليون حاوية نمطية، ليصبح بمقدوره مناولة 10 من سفن الجيل المقبل العملاقة في وقت واحد. حينما عدت إلى فندقي بعد هذه الجولة غمرتني مشاعر التفاؤل وأحسست أن خليجنا، رغم ما يغرسه الأعداء في خواصرنا من صراعات، وما يقومون به من مؤامرات للنيل من أمننا واستقرارنا، قادر على تقديم الكثير من الإنجازات بأيدي شبابها من الجنسين. وأقولها بملء الفم- أنا البحريني: إن أي إنجاز يتحقق سواء في دبي أو أبوظبي أو الدوحة أو المنامة أو الرياض أو الكويت أو مسقط هو إنجاز لخليجنا العربي الواحد السائر على درب الاتحاد إن شاء الله، ولو كره الكارهون.