بعد قرن من اليوم، حين يكون معظمنا مجرد حفنة من التراب ضمن مقبرة ما، لن يكون من الاحترام والتقدير أن يجلس بضع أفراد من أحفادنا لمناقشة ما كتبناه في أيام حياتنا، وإثبات أن أجدادهم كانوا لا يفقهون شيئا أو كانوا مجرد أبناء وقتهم، إلا في حالة واحدة، إذا كان بعض أحفادنا متشبثين بما قلناه يوماً ويعتبرون أن الخروج على النص الذي وضعناه لأنفسنا مما تهتز له السماوات وتخرّ منه الجبال. في هذه الحالة، لا يمكن القول إننا مجرد أموات نستحق الدعاء بالمغفرة بدلاً من تقليب أفكارنا، وأننا مجرد رموز نستحق التبجيل، وأن نقد ما قلناه عارٌ على أحفادنا، وأن من واجبهم احترام آرائنا والعمل بها واتخاذها نبراساً لحياتهم. بقطع النظر عما إذا كان ما قلناه صحيحاً دائماً أو صحيحاً في زمننا أو كان خاطئا وسخيفاً منذ البداية، فإنها ستكون مغالطة واضحة لو أصر بعض أحفادنا على النظر إلينا كأننا تراث ينبغي تجنب الاقتراب منه، يفترض أن نكون مبجّلين في نظرهم وبعيداً عن مناقشاتهم وأن يتركونا ننام في مراقدنا مطمئنين ما دمنا لا نترك بما كتبناه يوماً أي تأثير على حياتهم وطريقة تفكيرهم ونظرتهم للعالم من حولهم. هذا هو الشرط الوحيد الذي نبقى بمقتضاه في منأى عن قيلهم وقالهم، فإذا انتفى هذا الشرط، وأصبحنا جزءاً من حياة أحفادنا، نجلس معهم، أو فوق رؤوسهم، ونوجههم بعصيّنا ونوبخهم بألسنتنا، ونقول لهم - عبر من سيتحدث بالنيابة عنا - هذا صائب وهذا خاطئ، على الرغم من أننا لسنا معهم في الحقيقة، ولا ندري أي شيء عن حياتهم وظروفهم وعالمهم، ولم نكن ندري عن ذلك في أيام حياتنا، فإنه يجب ألا نحزن إذا وضعونا على طاولة البحث والنقاش، ليحاول كل فريق من أحفادنا إقناع الفريق الآخر بصواب أو خطأ ما تركناه لهم من كتابات وأفكار، ما دام لنا تأثير على حياتهم، فمن البديهي أن نُطرح في وسطهم. وعلى الرغم من بداهة هذا الأمر، فإنه يكاد لا يمر يوم إلا وينشب الجدال فيما بيننا بشأن رموزنا الدينية - التاريخية، بين فريق يعد الاقتراب من تلك الرموز خطرا عظيما، وفريق يحرك يديه في الهواء بما يعني الكف عن استدعاء تلك الرموز لأن من شأن ذلك إحداث فتنة، وأنه علينا أن «نكبّر رؤوسنا» ونرى أبعد عن أنوفنا حيث العالم يتقدم من حولنا ويذهب للمستقبل بينما نحن أسرى الماضي، وفريق يحاول عبثاً أن يوضح أن أولئك الرموز ليسوا تحفاً ولا رفاتاً، بل هم في صلب حياتنا، موجودون معنا عبر من يحاول فرض آرائهم علينا، فما قالوه يقولونه بالحرف الواحد، وما ذهبوا إليه يذهبون إليه خطوة إثر خطوة، بل يريدون أن يأتي الجميع معهم. وهكذا أيضاً مع «فريق المستقبل»، الذين يغالطون أنفسهم ويغالطون غيرهم بالدعوة إلى طي سجل الماضي، إذ كيف يمكن لهذه المجتمعات أن تمضي قدماً وهي مثقلة بالماضي الذي يصر بعضنا على أن يأخذه معه في حله وترحاله، خصوصاً أن هذا الماضي ليس مجرد صندوق كبير يمكن تركه لتنساه الأجيال بمرور الوقت، بل هو حاضر معنا في كل خطوة، ويأتينا صداه صباحا ومساء عبر المتشبثين به. قد يكون كل ما قاله رجال الماضي عظيماً وصالحاً في كل حين وأوان، وليست هذه هي القضية، وإنما القضية في أن رجال الماضي يعيشون بيننا في هذه اللحظة، وليسوا أمواتاً وليس ما قالوه موضوعا في صندوق كبير. كاتب إماراتي