أستعير عنوان هذا المقال من الكتاب الجديد الذي صدر لي مؤخراً عن «المركز العربي للبحوث» (توزيع مؤسسة الأهرام)، وعنوانه الكامل «جدل الحضارات: ثلاثية الحوار والصراع والتحالف». وقصة تأليفي هذا الكتاب تستحق أن تروى لأهمية موضوع التراكم المعرفي في الإنتاج العلمي للباحث. طلب مني كاتب صحفي بارز بحثاً سبق أن نشرته عن «حوار الحضارات»، وحين قلبت في مؤلفاتي السابقة، اكتشفت أنه لدي ليس بحثاً واحداً في الموضوع بل بحوث عدة نشرت عبر عشرين عاماً كاملة! وحين راجعت هذه البحوث جميعاً تبين لي لدهشتي أنها تشكل في الواقع كتاباً متكاملًا نما بشكل عضوي متكامل في غفلة من الكاتب. واكتشفت أن بداية المشوار العلمي مع الموضوع بدأ عام 1990 حين انتقلت من القاهرة -وأنا مدير لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام- لأشغل منصب أمين عام منتدى الفكر العربي (1990 - 1992) الذي كان يرأسه ومازال الأمير «الحسن بن طلال» ولي عهد الأردن حينذاك. وقد دُعيت بصفتي الجديدة لأشارك في مؤتمر عقد في لشبونة عام 1990 عنوانه «أوروبا - العالم»، وفي هذا المؤتمر عرض الباحث البلجيكي «رونالد دراير» بحثاً باللغة الفرنسية بالغ الأهمية عنوانه «حوار الحضارات في اليونسكو من عام 1949- حتى عام 1989»، هذا البحث في الواقع كان هو المدرسة الأولى التي تعلمت فيها أبجديات حوار الحضارات، وفق تحليل سياسي وثقافي بارع. وكان هذا البحث أحد المصادر الفكرية التي دفعتني - بعد وصولي إلى عمّان- واكتشافي أن منهجي العلمي الذي سبق لي أن بلورته عبر سنوات طويلة منذ عملي وأطلقت عليه «المنهج التاريخي النقدي المقارن» لم يعد يصلح لدراسة وبحث أحوال العالم المتغيرة، خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وتحول النظام العالمي الثنائي القطبية إلى نظام أحادي القطبية. وهكذا أعدت صياغة أطري النظرية لفهم العالم المتغير، ونشرت نتائج بحوثي في كتابي «الثورة الكونية والوعي التاريخي: حوار الحضارات في عالم متغير» الذي أصدره مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية عام 1995. والسؤال المحوري الآن: ماذا اكتشفت من تأملي للتراكم المعرفي لبحوثي منذ عام 1990 حتى الآن؟ اكتشفت ما يمكن تسميته جدل الحضارات، ?ويعني ?ذلك ?ببساطة ?أن ?التفاعل ?الحضاري ?في ?العالم ?المعاصر ?مر ?بثلاث ?مراحل ?أساسية، ?هي «?حوار ?الحضارات»، ?و«?صراع ?الحضارات»، ?وأخيراً «?تحالف ?الحضارات»?. ولو طبقنا قواعد المنهج الجدلي على هذه المراحل المتعددة، لقلنا إن الحوار هو «الفكرة»، ?وإن ?الصراع ?هو «?نقيض ?الفكرة»، ?وإن ?التحالف ?هو «?التآلف ?بين ?النقيضين». ?وحتى ?نحل ?شفرة ?هذه ?العبارات ?التي ?تبدو ?فلسفية ?مجردة ?نقول ?إنه ?في ?البدء ?تصاعدت ?الدعوة ?لحوار ?الحضارات ?في ?محاولة ?لعديد ?من ?المثقفين ?والساسة ?مواجهة ?انقسامات ?العالم ?وضروب ?الصراع ?الثقافي ?السائدة ?فيه، ?خصوصاً ?بعد ?سقوط ?النظام ?العالمي ?الثنائي ?القطبية، ?ونهاية ?صراع ?القرن ?العشرين ?بين ?الشيوعية ?والرأسمالية، ?وبروز ?التيارات ?القومية ?الجديدة ?وتصاعد ?حركات ?الانفصال ?عن ?الدول ?الكبرى ?والتعصب ?الإثني ?وغيره ?من ?ملامح ?تشظى ?العالم. وقد حاولت هيئة «اليونسكو» مواصلة جهودها القديمة في ترسيخ قواعد حوار الحضارات، غير أن المشروع الحاسم الذي صعد بموضوع حوار الحضارات إلى صدارة اهتمامات العالم هو الذي قدمه الرئيس «محمد خاتمي» الرئيس السابق لجمهورية إيران الإسلامية، الذي قدمه في خطاب تاريخي حقاً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1999، ودعا فيه لتحويل حوار الحضارات من مجرد فكرة يتداولها الفلاسفة والمؤرخون والعلماء الاجتماعيون إلى سياسة ثقافية تتبناها الأمم المتحدة. غير أنه أعقب مرحلة حوار الحضارات مرحلة أخرى مضادة، تمثلت أساساً في كتاب «صمويل هنتنجتون صراع الحضارات»، الذي استشرف فيه المستقبل على أساس الصراع بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية والكونفشيوسية، وتأتي في النهاية مرحلة التحالف بين الحضارات التي تبنتها الأمم المتحدة لتعزيز التفاهم والتعاون بين ثقافات العالم.