لا يرى كثير من المراقبين في الولايات المتحدة وبريطانيا فيما حدث لليونان إلا عرَضاً لأزمة أوسع في اليورو. ويلقي كثير من الناس باللائمة على العملة المشتركة، فيما يتعلق بالنمو الاقتصادي المنخفض والأعباء المفرطة للديون وارتفاع نسبة البطالة في دول أطراف الاتحاد الأوروبي، وينسبون إليها كل قصور في اقتصاد أوروبا. لكن اليورو يبلى بلاءً حسناً، ومعظم الأشخاص الذين يستخدمونه يحبونه، ومنهم اليونانيون. وأزمة الديون حتى لو انتهت بإلغاء اليونان لليورو، قد تؤدي إلى تعزيز وليس إضعاف العملة الأوروبية المشتركة. وبعد 15 عاماً من العمل باليورو، مازالت الدول والشركات تتعلم كيفية استخدامه بشكل صحيح. والأخطاء المرتكبة في هذه السنوات المبكرة يجب الاستفادة منها للتفكير وليس للهلع. وبلغ إيذاء اليورو الآن حداً جعل منابر إعلامية أميركية تذهل من قرار ليتوانيا العمل باليورو. وفي مقال نشر في يناير بصحيفة «اتلانتيك» بعنوان «لماذا يتبنى أحدٌ اليورو عام 2015»، أشار آدم شاندلر إلى أن الدولة المطلة على بحر البلطيق أصبحت العضو التاسع عشر التي تحمي نفسها من العدوان الروسي. واحتج مات أوبريان من «واشنطن بوست» بالنقطة نفسها في مقال قال فيه إن «ليتوانيا قفزت على متن تيتانيك وهي اليورو». والتفسير مثير للسخرية نوعاً ما، مع الأخذ في الاعتبار أن روسيا نفسها حولت المزيد من مخزونها النقدي إلى يورو، مع ابتعادها عن الدولار الأميركي. وفي نهاية عام 2014، أصبحت 46?1% من الاحتياطي الروسي باليورو، بزيادة 5?2% خلال 12 شهراً. وهذه نسبة كبيرة، لكن اليورو يمثل 22?1% من الاحتياطي الأجنبي لكل الدول. وقبل أن تتبنى ليتوانيا العملة المشتركة، كان 57% من السكان يعتقدون أنها جيدة لبلادهم، وبعد التغيير مباشرة ارتفع التأييد إلى 60%. وقال 54% إن اليورو جيد بالنسبة لهم، وهو شعور يصعب تفسيره بالخوف من الغزو الروسي. لكن اليورو جعل من الأسهل على الليتوانيين أن يسافروا ويطلبوا البضائع عبر الإنترنت من الدول الأوروبية دون الاضطرار لتحويل العملة. وبالطبع ربما يحب الليتوانيون اليورو؛ لأن خبرتهم به قليلة، لكن الذين لديهم خبرة طويلة به مغرمون به أيضاً. وأظهر أحدث مسح ليوروباروميتر في الخريف الماضي أن معظم سكان دول اليورو أكثر سعادة بالعملة مما كانوا عليه قبل عام. وفي المسح نفسه، كانت إيطاليا وقبرص هما الدولتان الوحيدتان اللتان لم تكن بهما أغلبية مؤيدة لليورو وليس بهما أغلبية مناهضة له أيضاً. وبالإضافة إلى هذا، يجعل اليورو السياحة والتجارة عبر الحدود أسهل، خاصة للأفراد والشركات الصغيرة، ويجعل الشركات الكبيرة أيضاً ليست في حاجة للتحوط ضد مخاطر العملة، كما أن اليورو يخفض معدل الفائدة. وقبل فترة ليس بالطويلة من تبني العملة المشتركة، أصدرت ليتوانيا أول سند باليورو بأدنى معدل فائدة في تاريخ البلاد بلغ 2?1% وتوقعت أن تنخفض كلفة الاقتراض للحكومة والأعمال الاقتصادية؛ لأن هذا ما حدث في لاتفيا عندما تبنت اليورو عام 2014. ويجادل منتقدون بأن تعزيز قدرة دول الأطراف على الاقتراض يمثل خللاً مؤسسياً وليس مزية للعملة المشتركة. وفي كلمة، أوائل هذا الشهر، في برلين على سبيل المثال، أشار وزير المالية اليوناني يانس فاروفاكيس إلى أنه بسبب فوائض التجارة في دول مثل ألمانيا وهولندا، «تدفق تسونامي من الديون من فرانكفورت وهولندا وباريس إلى أثينا ودبلن ومدريد دون الاكتراث بخفض قيمة الدراخما أو الليرة؛ لأننا نشترك جميعاً في اليورو». وأشار إلى عدم مسؤولية المقرضين مثل البنوك الألمانية التي قللت من أهمية مخاطر تمويل الحكومات والشركات في الدول الأعضاء. فأزمة اليورو لم يتسبب فيها خطأ في هندسة اليورو، بل الفشل في إدارة المخاطر في المؤسسات المالية، وهو الخطأ نفسه الذي تسبب في أزمة الرهون العقارية الأميركية. ليونيد بيرشديسكي كاتب روسي مقيم في برلين ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»