في الشرق الأوسط وأفريقيا، على الأرض وفي عرض البحر المتوسط، على الحدود وما وراءها، أناس هائمون على وجوههم، ينشدون الأمان والخلاص، يهربون من موت لا يريدونه إلى موت لا يهابونه طالما أنهم ارتضوا ركوب المخاطر، إما على سفينة متهالكة أو سيراً على الأقدام نحو مصير مجهول دهمهم وهم في هدأة المناطق النائية المنسية. ستون مليون إنسان أصبحوا اليوم تحت رحمة الأقدار، نازحون ومهجّرون بفعل حروب أهلية، أو فارّون من فقر وعوز وجوع تطاردهم منذ كانوا ومنذ اجتاحهم يأس من أمكنة ولدوا فيها ولم يجدوا فيها ما يعينهم على شيء من العيش الكريم. ستون مليوناً.. وتظن مفوضية الأمم المتحدة للاجئين أن الرقم مذهل إلى حدّ يكفي لإشعار الحكومات بالعار الأخلاقي، ولتحريكها لمواجهة هذه المشكلة. غير أن الاستجابة ظلّت «مخزية»، وفقاً لتقويم «منظمة العفو الدولية»، ذالك أن الدول القادرة تختبئ خلف أزماتها المالية والاقتصادية التي لا تنفكّ تقضم من رفاهية ورعوية أمكن اكتسابهما في أزمنة الوفرة. خلال عام واحد أحصت مفوضية اللاجئين في الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا خمسة عشر نزاعاً أدّت إلى اقتلاع مزيد من السكان من مواطنهم وبيوتهم في سوريا والعراق واليمن وليبيا وغزّة وجنوب السودان ومالي وشمال نيجيريا وغيرها، بالإضافة إلى أوكرانيا. وما فاقم المأساوية أن معظم «بلدان الاستقبال» ليس قادراً اقتصادياً على إيواء لاجئين أصبحوا يشكّلون نحو ربع عدد السكان، كما في حالتي لبنان والأردن، ولم تكفِ المساعدات الدولية للتغلب على مختلف المشاكل، خصوصاً أن المساهمات في تراجع مستمر، إذ لم يسبق أن واجه المجتمع الدولي معضلة مماثلة تتطلّب منه إعالة كاملة لشعوب كاملة. خلال الأسابيع الماضية احتلّت قضيتا النزوح القسري والهجرة غير الشرعية واجهة الاهتمام في مؤتمرات قمة أو في سياق حملات انتخابية في بلدان أوروبية، سواء بسبب استئناف تدفق المهاجرين من جنوب المتوسط إلى شماله، أو بسبب استمرار الحروب وتصاعد حدّتها. ومن الواضح أن السمة المشتركة هي العجز عن معالجة الأسباب، معطوفاً على عجز عن التعامل مع الضحايا. بلغ الأمر في هنجاريا أن تفكّر الحكومة في بناء جدار عازل على الحدود مع صربيا لمنع تسرّب المهاجرين، بينما تمترست ألمانيا وراء قرار بمواصلة إقفال الحدود، أما إيطاليا وفرنسا فدخلتا «حرباً كلامية» بشأن توزيع الوافدين من البحر وفقاً لحصص محددة، فيما دعت بريطانيا إلى «كسر العلاقة بين ركوب المهاجرين الزوارق وبين وصولهم إلى أوروبا»، ما يعني إعادتهم إلى شمال أفريقيا أو إلى أماكن أخرى.. ونشب نقاش آخر حول حصص قبول السوريين على مدى السنوات المقبلة، ما يشي بأن الحكومات الأوروبية لا تتوقع حلا قريباً للصراع. وكانت قمة الاتحاد الأفريقي في جوهانسبرج مناسبة لمناقشة ظاهرة أدّت إلى تشرّد أو هلاك مواطنين ينتمون إلى ثماني من دول الاتحاد. لم يبدِ الرؤساء والقادة حماساً ملموساً لقضية تمتحن مسؤوليتهم، فهم بالكاد منشغلون بعشرات الملايين الذين هُجّروا ولا يزالون في القارة السوداء ولا يشعرون بواجب الانشغال بعشرات الآلاف الذين غادروا. فالمعالجة هنا داخلية عموماً، وتتعلّق بترشيد الإدارة وإنهاض الاقتصاد ومكافحة الفساد. ورغم النيات الطيبة المبدئية، لا يُسجّل سوى تحسن ضئيل وغير مؤثّر في النفع العام. لكن الظواهر الأكثر ترويعاً هي تلك التي يتداخل فيها الإرهاب الموصوف بجرائم الحروب، وهذا ما يتكرر على نحو شبه يومي في سوريا والعراق واليمن وليبيا، فحيث تتوفر مساعدات غذائية وطبّية يمنع النظام السوري مرورها، لأنها تضعف حصار الموت والتجويع الذي يفرضه على المناطق المحيطة بدمشق، حيث يعيش مَن يفترض أنهم مواطنوه. وحين تُقفل حكومة بغداد المداخل والطرق أمام نازحين هاربين من إرهاب «داعش» في الأنبار فإنها بذلك تقول لمواطنيها إنهم غير مرغوب فيهم لأنهم يغيرون المعادلة المذهبية لسكان العاصمة، لذلك يمكنهم أن يبقوا في العراء أو يعودوا للتعايش مع «داعش» أو حتى الانضواء في صفوفه! أما في شمال سوريا فاستغل الأكراد أخيراً «الحرب على داعش» لتهجير سكان تل أبيض، تمهيداً لضمّها إلى «إقليم كردي» موعود. وفي تونس تشهد أعداد الليبيين الهاربين على هول حربهم الداخلية، كما يشهد تزايد اليمنيين في دول الجوار الخليجي.. لكن النازحين والمهجّرين ليسوا المشكلة بل نتيجة لها، وإذ يكثر الكلام عنهم فإنه يقلّ عندما يتطلّب الأمر بحثاً عن حلول للصراعات.