سطرتُ هنا في صفحات «الاتحاد» قبل أسبوعين مقالًا بعنوان: «الحرب على داعش والاستراتيجية الفاشلة»، وقد وصلني الكثير من التعليقات على ذلك المقال، كما أعادت نشره بعض المواقع الإخبارية بسبب ما احتواه من نقد ومعلومات دللتُ فيها على أسباب فشل الاستراتيجية الأميركية التي تقود التحالف ضد تنظيم «داعش». وكان من المفترض هذا الصيف، مع احتفال «داعش» بالذكرى الأولى لاحتلال الموصل ثاني أكبر المدن العراقية، أن تبدأ الحملة العسكرية لطرد التنظيم منها، فإذا به يفاجئ الجميع ويحتل الرمادي عاصمة الأنبار أكبر محافظة عراقية، والمعقل الرئيسي لسنة العراق.. مع تبادل الاتهامات بين الأميركيين والعراقيين والإيرانيين بأنهم لا يملكون الإرادة لقتال «داعش». وقد قدمت في ذلك المقال استعراضاً لأرقام وإحصائيات عن التكلفة العسكرية والمالية، وآلاف الأهداف التي تعرضت لقصف قوات التحالف في العراق وسوريا، ومع ذلك وبدلًا من «إضعاف وهزيمة داعش» كما خطط أوباما وقيادته العسكرية، نرى التنظيم يتمدد ويتوسع وتعترف أميركا بعجزها عن مواجهته، بل تتهم قيادات في الكونجرس إدارة أوباما بأنها لا تملك استراتيجية حقيقية لمواجهة «داعش»! وختمتُ المقال بالتأكيد أن الحاجة ملحة لتغيير الاستراتيجية الفاشلة في مواجهة «داعش». والحل، الذي يرفضه أوباما شخصياً وإدارته، هو إقحام قوات أميركية برية محدودة وقوات خاصة لمواجهة التنظيم. وإلا ستستمر واشنطن وحلفاؤها المتململون في دفع فاتورة استراتيجية مواجهة فاشلة! وبعد زيارتي لواشنطن مؤخراً للمشاركة في مؤتمر عن العلاقات الأميركية-الخليجية، والاجتماع مع بعض الباحثين في مراكز الدراسات الاستراتيجية، والاستماع لبعض المسؤولين الحاليين والسابقين في الإدارة الأميركية، ترسخت لديّ قناعة بأن المأزق كبير والورطة عميقة، وأن واشنطن تلهث خلف سراب استراتيجية غير ملائمة. وهذا ما رشح من ارتجال إرسال 450 خبيراً ومستشاراً عسكرياً للعراق.. والاستمرار في التخبط حول سوريا. وفي الوقت الذي تُعوّل إدارة أوباما على دور إيراني عبر الحرس الثوري الإيراني (المصنف منظمة إرهابية) في مواجهة «داعش» في العراق، وليس في سوريا، تصدر وزارة الخارجية الأميركية تقريراً تؤكد فيه أن الإرهاب ليس مقتصراً على «القاعدة» و«داعش». وأن إيران دولة لا تزال ترعى الإرهاب. وزاد الأمور تعقيداً، اعتراف وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر ورئيس هيئة الأركان الجنرال مارتن ديمبسي في جلسة استماع في مجلس النواب الأميركي عن الاستراتيجية في العراق، بأن نفوذ طهران في المنطقة مؤذٍ ويهدد استراتيجية أميركا في الشرق الأوسط. وهذا ما دأبنا على التحذير منه والتعليق عليه منذ سنوات! والمفارقة أن أميركا التي تتهم إيران برعاية الإرهاب، وتهديد وتحدي مصالحها في الشرق الأوسط، تريد التنسيق والتعاون معها في محاربة إرهاب «القاعدة» و«داعش»! وأي تناقض وتخبط وفشل أكثر من هذا؟ وهذه الاستراتيجية الفاشلة في التعامل مع «داعش» تخدم إيران وتضر حلفاء واشنطن في المنطقة والخليج العربي. وقد ترى إدارة أوباما أن إيران تملك مفاتيح الحلول أو التصعيد في المنطقة. ولذلك يجب احتواؤها والتعامل معها، وليس مواجهتها. وكأنه لا ينبغي إضعاف واستهداف حلفائها وأذرعها. بينما يرى حلفاء واشنطن أن إيران جزء من المشكلة، وتهدد الأمن والاستقرار في المنطقة. وقد بيّنت مداخلات وزير الدفاع الأميركي «كارتر» وقائد الأركان العامة «ديمبسي» محدودية قدرات واشنطن في التعامل مع الحرب الأهلية في العراق وتفاقم نفوذ «داعش» ونفوذ إيران، والفشل في دمج السنة في العراق وتسليح وتدريب العشائر السنية، والعجز عن وقف تدفق المتطوعين للانضمام لـ«داعش» في سوريا والعراق، ليفضح كل ذلك سراب الاستراتيجية الأميركية في العراق والمنطقة، حتى أن هناك عجزاً في تدريب القوات العراقية، فمن أصل 24000 رجل أمن عراقي توقع تدريبهم تم تسجيل 7000 فقط! فيما تتعثر مساعي تدريب المعارضة السورية المعتدلة أيضاً. وكان ملفتاً تأكيد «ديمبسي» أن أحد أسباب عدم الاستقرار في العراق يعود لعدم شعور بعض مكونات المجتمع العراقي بأن حكومتهم شرعية! وهناك شبه قناعة في واشنطن بأن العراق الموحد بمكوناته الثلاثة أصبح شيئاً من الماضي، وأنه يمكن أن تتعامل واشنطن مباشرة مع السنة والأكراد، وليس عن طريق الحكومة الضعيفة في بغداد. كما كان ملفتاً توجيه انتقادات لاذعة من نائبين جمهوريين لوزير الدفاع ورئيس الأركان الأميركيين، حيث لخصا مظاهر التعثر في العراق والمنطقة. واتهم النائبان إدارة أوباما بعدم امتلاك استراتيجية في بلاد الرافدين. وأنه لم يعد ممكناً إنقاذ العراق وبقائه ككيان موحد! هذا عن العراق الذي لا يزال يسدد أعباء كارثة المحافظين الجدد وبوش الابن، فماذا عن الباقي؟ وإلى متى يستمر سراب الاستراتيجية في تعامل واشنطن مع أزمات المنطقة الأخرى على نحو غير فعال، بل يزيدها تعقيداً من الأساس؟