صدر بداية الأسبوع الماضي تقرير هو الأول من نوعه، عن منظمة الصحة العالمية، ومجموعة البنك الدولي، حمل عنوان «متابعة نظم الرعاية الصحية الشاملة» (Universal Health Coverage)، يهدف لتقييم نظم الرعاية الصحية في دول العالم المختلفة، وتقدير مدى فعاليتها، وحجم ونطاق شموليتها لجميع أفراد المجتمع. وتضمّن هذا التقرير بالغ الأهمية، العديد من الحقائق المهمة والمثيرة عن الوضع الصحي العالمي، مثل عدم توافر خدمات الرعاية الصحية الأساسية لأكثر من 400 مليون شخص حول العالم، والدفع بأكثر من 6 في المئة من أفراد الجنس البشري سنوياً، خصوصاً من سكان الدول متوسطة الدخل والفقيرة، نحو أزمات مالية شديدة، وأحياناً سقوطهم في هاوية الفقر المدقع، بسبب تحملهم بشكل شخصي ومباشر لنفقات علاج أمراض وعلل مختلفة، في ظل فقدان دولهم ومجتمعاتهم لنظم رعاية صحية شاملة. وبنى القائمون على هذا التقرير تلك النتائج والحقائق، من خلال تقييم مدى توافر الدعائم الأساسية للرعاية الصحية الأولية، والتي تشمل التالي: 1- توفر خدمات تنظيم الأسرة. 2- توفر الرعاية الصحية للأم والجنين أثناء الحمل. 3- وجود شخص مؤهل ومدرب أثناء عملية الولادة. 4- توافر التطعيمات الطبية للمولود الجديد، وللأطفال خلال السنوات الأولى من العمر. 5- توافر مضادات الفيروسات، مثل تلك التي تستخدم لعلاج فيروس الأيدز. 6- توافر أنواع المضادات الحيوية التي تستخدم لعلاج ميكروب السل. 7- توافر مياه شرب نظيفة، ونظم صرف صحي حديثة. وعلى الرغم من تعدد متطلبات الرعاية الصحية الأولية، إلا أنه من السهل إدراك أهمية توافرها، للحفاظ على صحة أفراد المجتمع ككل، وخصوصاً صحة الأمهات والمواليد الجدد، ولتفعيل سبل مكافحة الأمراض المُعدية الخطيرة، مثل الأيدز والسل. وتعتبر ضرورة شمول نظم الرعاية الصحية في دولة ما لجميع أفراد المجتمع، جزءاً لا يتجزأ من دستور منظمة الصحة العالمية المعلن عام 1948، والذي ينص على أن «الصحة» هي حق أساسي من حقوق الإنسان، مع ضرورة الالتزام بضمان بلوغ أفضل مستوى ممكن من الصحة للجميع. كما يعتبر مدى توافر الخدمات الصحية الأساسية لجميع أفراد المجتمع، أحد أهم الجوانب، وحجر من أحجار الزاوية في تحقيق العدالة الاجتماعية، حيث يعتمد تحقيق العدالة الصحية في بدايته على رفع الظلم والغبن الصحي، والذي يمكن أن يعرّف على أنه الفروق والاختلافات في الحالة الصحية، أو في توزيع المصادر والإمكانات الصحية المتاحة، بين المجموعات، والطوائف، والفئات المختلفة، بناء على الظروف الاجتماعية التي يولد، وينمو، ويعيش فيها الأفراد. ومن السهل إدراك أن فقدان خدمات الرعاية الصحية الأولية في بعض الدول والمجتمعات، على الرغم من كونها مشكلة محلية أو وطنية في ظاهرها، إلا أنه من السهل أن تتمدد تبعاتها، وتتفاقم تأثيراتها، لتصل إلى شواطئ ومدن دول العالم قاطبة، حتى تلك التي تتوافر فيها أفضل نظم الرعاية الصحية. وتتضح هذه الحقيقة من بعض الأمراض الُمعدية، مثل مرض السل الناتج عن ميكروب متعدد المقاومة للعقاقير والأدوية المتوافرة للعلاج، والذي يمكن أن ينشأ ويتفاقم في بلد يفتقد أساسيات الرعاية الصحية الأولية، لينتقل في غضون أيام إلى دول عدة قصية، وهو ما ينطبق أيضاً على مجموعة الأمراض المعدية المعروفة أحياناً بأمراض الطفولة المعدية، مثل فيروس شلل الأطفال، وفيروس الحصبة. وجدير بالذكر هنا أن دولة الإمارات، تعتبر من الدول التي نجحت خلال العقود والسنوات الأخيرة، في تحقيق طفرة نوعية، على صعيد مستوى وجودة الرعاية الصحية المتوافرة لمواطنيها، وللمقيمين على أراضيها. وتتضح هذه الحقيقة من المؤشرات العامة، التي تستخدم لقياس مستوى أداء الخدمات الصحية داخل الدول، مثل مؤشر نسبة الوفيات بين المواليد الجدد، والتي انخفضت حالياً لتبلغ 6,6 وفاة فقط بين كل ألف ولادة لطفل حي بين المواطنين، و6,1 وفاة فقط بين كل ألف ولادة لطفل حي بين الوافدين، وهو ما يشكل نسبة انخفاض بأكثر من 96 في المئة خلال العقود الستة الأخيرة، وبحوالي 87 في المئة في العقود الأربعة الماضية فقط. وعلى صعيد مؤشر آخر يستخدم لقياس مستوى الخدمات الصحية، هو متوسط أو مؤمل العمر، نجد أن متوسط العمر في الإمارات بلغ قرابة السبعة وسبعين عاماً في 2012، بعد أن كان نحو 52 عاماً في بداية عقد الستينيات، وهو ما يعني زيادة بمقدار 25 عاماً، أو نحو 50 في المئة، في غضون خمسة عقود فقط.