جلست أفكر في تطور الأوضاع اليمنية وتعقدها ودخول الأمم المتحدة والانتهاء بجنيف الذي عاد بي إلى الأزمة السورية. وقلت لنفسي هل ينتهي اليمن السعيد بما وصل له الحال بسوريا أو ليبيا! وقلت لنفسي: كم أزمة مرت علينا نحن العرب، ولكن لأسباب عديدة نجد أنفسنا نعجز عن التعلم من الأزمات ونعيد الأخطاء. ولا نبالي بتداعيات حالات التأزم. وتذكرت المثل العربي «جنت على نفسها براكش»، وهو المثل الشهير الذي يُحمل المرء مسؤوليات أعماله وأفعاله. ويا تُرى هل جنينا على أنفسنا بتجاهلنا لأحداث اليمن وخطورة تطور أوضاعه. وقف الرئيس المخلوع عبدالله صالح مع صدام حسين في احتلاله للكويت، وكان الأمر في غاية التوحش، حيث كان للكويت الدور الكبير في مساعدة اليمن من خلال لجنة «الخليج والجنوب العربي»، وما قدمته الكويت ليس منّة بقدر ما هو واجب نفتخر به. ونعتز بعلاقتنا مع اليمن الذي يشّكل لنا ثروة تفوق ثروة النفط حسب وصف الأمير تركي الفيصل، حيث يعتبر شعبه وكفاءاته ثروة تفوق ثروة النفط. تجاهلنا اليمن وتركناه للفقر والعوز والفساد والاستبداد، ولم نحسب حساباتنا بدقة حول تداخل المتغيرات، واحتمالية سيطرة «الحوثيين» على هذه الثروة، وتسخيرها لمصالح أجنبية مضرة بالإقليم الخليجي. على الرغم من محاولات دول الخليج العربي ترطيب العلاقة مع إيران إلا إنها كانت تتجه نحو بسط نفوذها في قلب الجزيرة العربية من خلال تثبيت أذرعها كما فعلت في لبنان، ودفعت في اليمن بـ«أنصار الله» ومكنتهم من السيطرة على مقدرات البلاد بسياسات تعود سنوات إلى الوراء عندما دربت كوادر «حوثية» ووضعت سياسات تساعد على خلخلة الوضع اليمني المراد فيه زعزعة الأمن في الشقيقة المملكة العربية السعودية بالدرجة الأولى. فنحن اليوم بدول الخليج العربي ندفع الثمن غالياً لتطور أحداث اليمن ودخوله نحو النفق المظلم، الذي لن يخرجنا منه لقاء جنيف. من الواضح أن زعزعة الاستقرار في الإقليم الخليجي هي أحد أهم الأهداف الخارجية سواء كانت مستترة أو معلنة. فالهدف يتجه نحو دولنا الخليجية. والكارثة الكبرى أن البعض مازال يعتقد أنه ينجو بنفسه من خلال التفرد بسياسته دون فحص المتغيرات الإقليمية والدولية وترابطها. فبالرغم من إعلان توحيد المواقف حيال المسألة اليمنية، فإن الثغرات واسعة نتيجة لاستمرار سياسة النجاة بالنفس. المرحلة حرجة، ولا تستحق التهاون، وربما إعادة بناء جسور العلاقة الخليجية الروسية، يُشكل أحد أهم الملفات، التي يجب فحصها بدقة وخصوصاً دولة الكويت التي ترتبط بعلاقة تاريخية مع موسكو، فهي بإمكانها التوسط في حل الخلافات من خلال ضمان المصالح الروسية في المنطقة العربية. المملكة العربية السعودية خطت خطوات جريئة نحو المصالحة مع روسيا، وتفهم الموقف الروسي، وربما علينا استكمال التفاهم مع موسكو حيال مستقبل المنطقة العربية. موسكو تدرك نهاية الحكم في سوريا، وربما الاتفاق على صيغة توافقية كمخرج من الأزمة السورية، وخصوصاً بأننا لا نملك التحكم في التنظيمات المتحاربة التي تحولت إلى توسيع نفوذها المضر بمستقبل سوريا. موسكو على دراية كبيرة بالتنظيمات الإرهابية، وهي على استعداد للوصول إلى صيغة توافقية عندما تطمئن لمصالحها التاريخية. نرى أن الفرصة مازالت سانحة، وكل ما نحن بحاجة له أن ندرك أن السياسة تتغير وفق المصالح، ومن حقنا أن نعي مصالحنا لكي نمنع تدهور الأوضاع. مصر دولة محورية، وهي اليوم ترتبط بعلاقة متوازنة مع موسكو، ومن الممكن استثمار ذلك إذا عالجنا حالة الثقة المهزوزة بيننا.