اختراع الأعداء وصناعتهم لتخويف الأتباع أيديولوجيَا إيرانية بامتياز، تعتمد عليها طهران وعلى تهويمات مذهبية وطائفية أخرى، تشكل الأساس الذي يرتكز عليه نظام الملالي للبقاء في الحكم، وهم يصدرون هذه المنظومة من الأفكار إلى حلفائهم الذين يستنسخونها في مجتمعات عربية مسلمة يوحدها الانتماء لهوية وطنية وثقافية ودينية تحمي الشعوب من الفوضى التي تريدها إيران للمنطقة على أسس طائفية، ولها أدواتها التي تستجيب لهذا المنهج، لكنها لن تنجح في مهمتها لأن الزمن تغير ولأن حاجة المجتمعات للدولة الحديثة تتغلب في النهاية على النزعات المناهضة للاستقرار والسلم الأهلي، ولدى العرب الآن نماذج تشهد على خطورة الاستجابة لهذا المسار الذي يعمل على إضعاف كيان الدول ويحولها إلى بؤر للنزاعات والتشظيات، وهذا ما ينبغي أن تعيه الشعوب لإفشال مخططات نشر الفوضى الطائفية وتحجيم أدواتها، لحماية الأمن القومي العربي. من الشواهد على صناعة الأعداء ما يلمسه المتابع من تشابه كبير بين منطق «حزب الله» في لبنان ومنطق جماعة الحوثيين في اليمن، خاصة عند الاستماع إلى الخطابات الانفعالية التي يلقيها حسن نصر الله من الضاحية الجنوبية لبيروت وخطابات مرشد الحوثيين التي يلقيها من كهوف جبال صعدة في شمال اليمن، وتسارع القناة التابعة لـ«حزب الله» ببثها على الهواء، والاثنان (نصر الله والحوثي) يغرفان معاً من الأيديولوجيا الإيرانية التي ترتكز على تهييج الجماهير وتغييبها بالشعارات وتخويفها باختراع الأعداء، مع تغليف المضمون بخطاب ديني لا يختلف عن خطاب تيارات الإسلام السياسي، إلا من حيث كونه يصاغ بلغة الملالي ونظرية ولاية الفقيه. وتتحول السياسة على ألسنة هؤلاء إلى عبث وارتهان وانعدام لأي شعور بالمسؤولية تجاه السلم الأهلي والاستقرار السياسي، بل وتجاه كل ما يترتب على الانتماء للأوطان من ولاء وحرص على مصالح أبناء الشعب وليس مصالح الطائفة وحدها، ويبدو من ممارسات هذا الفريق أن مصالح الطائفة عندهم فوق مصالح الشعوب، لذلك لا يتورعون عن خوض المعارك وإثارة الأزمات مهما كانت ضريبتها فادحة على أمن المجتمعات، وهذا شأن كل الجماعات المتطرفة التي تعتقد أنها تحتكر الحقيقة وتخدر أتباعها بالشعارات. والنتيجة كما نشاهدها اليوم في لبنان الذي أمضى عاماً من دون رئيس للجمهورية، بسبب تعنت «حزب الله». وكلنا نعرف حجم الممارسات التي تقوم بها أدوات إيران بهدف اختطاف الدول وتحويلها إلى كيانات تابعة للسياسة الإيرانية على حساب المصالح الوطنية للشعوب. أما في اليمن فقد بلغت الأزمة ذروتها بتعنت أداة إيرانية أخرى تتمثل في الحوثيين بإدخالهم لذلك البلد في أتون حرب شاملة ومفتوحة، على حساب تعطيل بناء سلطة انتقالية تخرج اليمنيين من أزمة الفراغ السياسي التي بدأت عام 2011، ورغم أن كل تقارير المنظمات الدولية تتحدث عن مصاعب اليمن الاقتصادية المتفاقمة والتي بلغت الآن مرحلة حرجة إنسانياً، فإن هذه الأولوية لم تمنع الحوثيين من دفع البلاد نحو المزيد من الانهيار، رافعين شعارات عاطفية تساعد في صناعة أعداء محليين وإقليميين. وفي كل المشاهد التي يظهر فيها دور إيراني في صناعة أدوات سياسية مسلحة، تكون النتيجة كما يحدث في اليمن والعراق، حيث تعمل تلك الأدوات على تفتيت الدول الوطنية وتأجيج الطائفية. وكل المشاريع التخريبية تظل بحاجة للأوهام لكي تبني عليها فوضويتها وتهربها من الواقع وما يتطلبه من عقلانية والتزام بالثوابت التي تقي الأوطان والدول من الانهيارات والحروب والانقسامات المدمرة. وإذا ما عدنا إلى جذر الإشكالية التي أوجدت مثل هذه الفقاعات الطائفية، نجد أن إيران تمثل الحاضنة والمنبع والمحرك، وهي التي تواصل شحن الجيوب الطائفية في العراق وسوريا ولبنان واليمن، دون أي حساب إلا لمصالحها ونشر أساليبها في التفتيت. وختاماً لا نطلب من إيران التخلي عن خرافاتها وأساليبها في إدارة شؤون قومياتها وأقلياتها المتعددة، فهذا شأن يخص الشعب الإيراني، لكن عليها أن تتوقف عن تصدير الأيديولوجيا الانقسامية إلى عالمنا العربي، وعن دعم وتوجيه الحركات الطائفية.