بالأمس القريب، كان شكل الولايات المتحدة قد بدأ يبدو شبيها بالوضع الكارثي الذي كان كارل ماركس قد تنبأ به، حيث بدا أن الشركات أخذت تتحرر من الحاجة إلى العمال متسببةً بذلك لهؤلاء في بطالة وفاقة مزمنتين. غير أنه خلال الآونة الأخيرة بدا أن المشغِّلين الأميركيين أخذوا يوظفون من العمال أكثر مما يعرفون ماذا سيصنعون بهم. ولئن كان ذلك يمثل مصدر قلق بالنسبة للإنتاجية، فإنه ربما يشير إلى أنه سيتعين على ماركس أن ينتظر لفترة أطول من الوقت حتى تحقق رؤيته السوداوية. في العادة، يُنظر إلى إنتاجية العمل باعتبارها محركا مهما للرخاء. فكلما كثرت السلع والخدمات التي ينتجها الناس في كل ساعة عمل، كلما توافرت تلك السلع والخدمات لبقية الناس. ومع وجود الكثير من الإمدادات لتلبية الطلب، يستطيع الاقتصاد مواصلة النمو، والدخل الفردي مواصلة الارتفاع، من دون أن يؤدي ذلك إلى تأجيج التضخم المضر. غير أنه بحلول الوقت الذي ضربت فيه الأزمة الاقتصاد الأميركي بقوة في 2009، انقلبت الأمور رأسا على عقب، حيث عمدت الشركات إلى تقليص التكاليف والعمال بسرعة كبيرة لدرجة أن الإنتاجية ارتفعت في وقت كان فيه الاقتصاد العام قد أخذ يضعف ويتباطأ. وارتفع الإنتاج في الساعة الواحدة بوتيرة أسرع مقارنة مع أي من فترات الركود الكبير الستة الأخيرة. وقد رسم هذا الأمر صورة ماركسية من دون شك، حيث ارتفعت أرباح الشركات، مستفيدةً في ذلك جزئيا من تضخم صفوف العاطلين عن العمل، الذين شكّلت رغبتهم الكبيرة في الحصول على الوظائف ضغطا أدى إلى انخفاض الأجور. وبدأ يبدو كما لو أن الإنتاجية عدو الرخاء: فإذا كانت الشركات تستطيع الحفاظ على الإنتاج مرتفعا من دون توظيف عمال جدد، فإن ملايين الناس قد يظلون في بطالة دائمة. ولحسن الحظ أن الوضع في الولايات المتحدة تغيّر بعض الشيء. فرغم أنه مازال بعيدا كل البعد عن الوضع الطبيعي، إلا أن الاقتصاد تمكن من إضافة 5.6 مليون وظيفة خلال العامين الماضيين، وبدأ نمو الأجور يبدي مؤشرات على ارتفاع وتيرته الضعيفة. ولكن لأن الاقتصاد العام لم ينمُ بنفس سرعة نمو التشغيل، فقد تُرجمت المكاسب التي تحققت على مستوى الوظائف إلى انخفاض في الإنتاجية. مارك وايتهاوس محلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»