ترتبط «ماجنا كارتا» (الوثيقة العظمى) في أذهان العالم الناطق بالإنجليزية بالحقوق الأساسية وحكم القانون. وحظيت الوثيقة التي وقعها الملك جون قبل 800 عام بحفاوة كبيرة على امتداد تاريخها. لكن شهرة الوثيقة تقوم في الأساس على عدة أساطير. وأولى هذه الأساطير أنها لم تكن فعالة بل منيت بالفشل في الحقيقة. فقد كان «جون» ملكاً ضعيفاً بدد أموال الملكية على حرب بلا طائل مع فرنسا. وجمع الضرائب ليمول مغامراته الأوروبية واستفز النبلاء على التمرد ضده وأجبروه على توقيع الوثيقة. ثم تبرأ «جون من الوثيقة على الفور وسعى النبلاء إلى استبداله بآخر لكن المنية عاجلت الملك جون. وفي العام التالي أعاد ابنه الصغير إصدار «ماجنا كارتا» دون بعض فقراتها. وأعيد إصدارها عدة مرات في القرن الثالث عشر. ونسخة عام 1297 هي المعروضة في الأرشيف الوطني ومتجسدة في القانون الانجليزي. لكن النسخة الأصلية نادراً ما قيدت الملكية. والأسطورة الثانية أنها أول وثيقة من نوعها، حيث وصف «وودرو ويلسون» عام 1908 الوثيقة بأنها بداية الحكومة الدستورية. لكنها في الواقع ليست إلا واحدة من وثائق كثيرة تعود إلى هذه الفترة في إنجلترا ومناطق أخرى استهدف تقييد سلطة الحكومة. والأسطورة الثالثة هي أنها تمثل تأييداً رناناً للحرية. لكن قراءة سريعة للوثيقة تكشف عن عدد من المفارقات. فهناك فقرة تحظر على اليهودي الحصول على فوائد على دين لوريث قاصر. ونجد فقرة أخرى تقيد شهادة النساء في جرائم قتل معينة. وتطالب فقرة ثالثة بإزالة مصائد الأسماك من نهر التايمز. لماذا، إذن تحظى «ماجنا كارتا» بكل هذا التبجيل؟ القصة تبدأ في القرن السابع عشر عندما أحيا أعضاء البرلمان والفقيه الدستوري الشهير سير»إدوارد كوك«الوثيقة في صراعهم مع أسرة «ستيوارت» الملكية. وجادلوا أن الإنجليز الأحرار تمتعوا بمجموعة من الحقوق والمزايا حتى وقوع غزو النورمانديين عام 1066، وجادلوا أيضاً بأن «ماجنا كارتا» جسدت هذه الحقوق، واعتبروها نموذجاً للماضي المجيد، وجزءاً من «دستور قديم». وظهرت «ماجنا كارتا» في الواقع نتيجة صراع بين الصفوة اهتم فيه النبلاء أساساً بمزاياهم. وعندما كانوا يشيرون إلى حكم أنداد الشخص على سبيل المثال لم يكونوا يفكرون بمحاكمة قضائية. وفي الواقع لم تكن المحاكمة القضائية بالمعنى الذي نعرفه موجودة في عام 1215، وكانت الإدانة تثبت وفق رد فعل المشتبه به على التعذيب البدني. والإشارة إلى الأنداد كان يعني عدم خضوع النبلاء لمحاكمة من العوام الذين قد يكون من بينهم قضاة عيّنهم الملك. وفي القرن الثامن عشر حلت سيادة البرلمان محل الملكية المطلقة لكن الإصلاحيين، ظلوا يستشهدون بالوثيقة مع تركيزهم على البرلمان، وليس الملك. ومن خلال مقالات الفقيه الدستوري «كوك» انتقلت «ماجنا كارتا» إلى أميركا ونشر و«ليام بن» نسخة منها عام 1687. وفي القرن السابع عشر استمدت عدة مستعمرات قانونها من الوثيقة. وكان الآباء المؤسسون يرون أنهم يستقون مسودة الدستور من الوثيقة في عبارات مثل «الإجراءات الملائمة للقانون» التي لم تلحق في الواقع بالوثيقة إلا في القرن الرابع عشر. ومنذ ذاك الحين أهتم الأميركيون بالوثيقة أكثر من البريطانيين. وأشار الرئيس الأميركي فرانكلين روزفيلت في كلمة تدشين فترته الرئاسية الثالثة إلى الوثيقة باعتبارها تجسيداً للطموح الديمقراطي. وتمتلك «ماجنا كارتا» كل ما تحتاجه لتحظى بالاحترام في الولايات المتحدة، فهي قديمة وإنجليزية، ومن السهل الاستشهاد بها لتوافق الحاجات الحالية، لأن لا أحد في الواقع قرأ النص. ووُصف القانون الوطني لحماية البيئة في الآونة الأخيرة بأنه «ماجنا كارتا بيئي» ويتزايد استشهاد القضاة بالوثيقة في قضايا تراوحت من قضية باولا جونز ضد بيل كلينتون إلى مرافعات معتقلي جوانتانامو. وتستشهد مواقع حزب الشاي على الإنترنت بالوثيقة في معركتها ضد برنامج «أوباماكير». والأميركيون ليسوا وحدهم في تبجيل ماجنا كارتا. فقد استشهد بها المهاتما غاندي في قضية المساواة العرقية في جنوب أفريقيا. وأشار نيلسون مانديلا إليها في القضية التي سجن فيها 27 عاماً. فلسنا الوحيدين فيما يبدو الراغبون في توسيع النصوص القانونية القديمة فيما يتجاوز معناها الأصلي. وماجنا كارتا مثل الكأس المقدسة أسطورتها أهم من واقعها. توم جينسبورج أستاذ القانون الدولي بجامعة شيكاغو ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»