عندما يضع أي حاكم سلطته ونفوذه فوق مصالح دولته، ينشأ تعارض بين الخاص والعام حتى إذا كان لهذا الحاكم إنجازات كبيرة، وفي مثل هذه الحالة، تصبح خسارة الحاكم في انتخابات عامة مكسباً لدولته، على النحو الذي حدث في تركيا الأسبوع الماضي. لم يخسر «حزب العدالة والتنمية»، الذي مازال أردوغان مهيمناً عليه بالمخالفة لمقتضيات منصبه الرئاسي، الانتخابات النيابية بالمطلق، لكن أردوغان هو الذي خسر، لأن نتيجة هذه الانتخابات لا تمكنه من تحقيق ما سعى إليه، وهو تعديل الدستور لتحويل نظام الحكم من شبه برلماني إلى شبه رئاسي، ومن ثم زيادة صلاحياته وتكريس نفوذه. لذلك تعلقت أنظار كثيرين في العالم بهذه الانتخابات، التي بدت لحظة فاصلة في تاريخ تركيا الحديث. ولعلها الثالثة من هذا النوع بعد إلغاء الخلافة العثمانية عام 1924، ووصول «حزب العدالة والتنمية» إلى السلطة، بعد فوزه بالأغلبية للمرة الأولى عام 2002. ولا غرو في ذلك، لأن انتخابات الأحد قبل الماضي حملت في طياتها تقرير مصير الديمقراطية في تركيا، جنباً إلى جنب مع تحديد مستقبل أردوغان السياسي، بعد أن صارا متعارضين بخلاف ما كان عليه الحال لما يقرب من عشر سنوات بعد وصوله للسلطة. وكان لكل بطاقة وُضعت في صناديق الاقتراع في ذلك اليوم أثرها في تحديد ما إذا كانت تركيا ستبقى ديمقراطية حقيقية مفتوحة قائمة على التعدد والتنافس، وقابلة لتداول جديد على السلطة في مستقبل منظور، أم ستتحول إلى أوتوقراطية يقف على رأسها حاكم «مهيب» لا يأبه بأي صوت لا يُمجّده. وهكذا، لم تكن هذه انتخابات عادية تتنافس فيها أحزاب متعددة لاجتياز نسبة الحسم اللازمة للوصول إلى البرلمان أولا (10% من إجمالي الأصوات الصحيحة)، وللحصول على أكبر عدد ممكن من المقاعد في هذا البرلمان ثانياً، فقد اختلط هذا التنافس بطموح أردوغان اللانهائي إلى سلطة مطلقة، وانخراطه الكامل في الدعاية الانتخابية على نحو بدا رئيس «حزب العدالة والتنمية» الحالي أحمد داود أوغلو ظلا له. لذلك بدت هذه الانتخابات كما لو أنها استفتاء على شخص أردوغان ومشروعه الشخصي، ليس في مواجهة قوى المعارضة فقط، بل على حساب الحزب الذي قاده لسنوات طويلة، ووصل عبره إلى السلطة التي وقع في إغرائها، ولم يستطع مقاومة شهوتها، فقد أدى تحويل طبيعة الانتخابات في هذا الاتجاه إلى تهميش دور «حزب العدالة والتنمية» ورئيسه خلالها، واكتشاف قطاع من الناخبين الذين اقترعوا لمصلحة هذا الحزب من قبل أن أصواتهم لن تذهب إليه هذه المرة بمقدار ما ستضع بين يدي أردوغان سلطة مطلقة، لذلك وجدوا أن اقتراعهم لمصلحته مجدداً لن يكون دعماً له بل لأردوغان شخصياً، ولن يكون في سبيل تركيا، بل من أجل زعيم يحلم بأن يكون «أبو العثمانيين الجدد» مثلما كان أتاتورك هو «أبو الأتراك». لذلك فقد «حزب العدالة والتنمية» نحو 8% من الأصوات التي نالها في الانتخابات الماضية، وصار مضطراً لتشكيل ائتلاف مع أحد الأحزاب الثلاثة الأخرى التي وصلت للبرلمان، أو الذهاب إلى انتخابات جديدة. ورغم أن نتائج الانتخابات على هذا النحو تخلق معادلة سياسية صعبة وغير مستقرة، فإن التجربة التاريخية تفيد فشل الحكومات الائتلافية في تركيا، فهي تظل أفضل من السلطة المطلقة التي سعى إليها أردوغان على نحو كان ممكناً أن يلغي دور الحكومة والبرلمان والمؤسسات كلها ويجعلها توابع تدور في فلكه. وتستطيع تركيا تحمل بعض الآلام التي ستنجم عن صعوبات تشكيل حكومة جديدة، فهذه آلام مؤقتة بخلاف ما يمكن أن يترتب على السلطة المطلقة من أمراض مزمنة. لذلك يصبح السؤال الملح الآن هو مدى استيعاب أردوغان رسالة هذه الانتخابات، وقدرته على إدراك أنها تمثل فوزاً لتركيا وديمقراطيتها وتعددها وتنوعها، واستعداده للتخلي عن مشروعه الرئاسي الأحادي. أما «حزب العدالة والتنمية» الذي فقد نسبة يُعتد بها من ناخبيه، فيظل تقدير أثر هذه الانتخابات عليه مؤجلا بانتظار ما سيحدث من تفاعلات داخله، ومدى قدرة العقلاء فيه على التفاهم مع أردوغان ومؤيديه على حدود لدوره في هذا الحزب بعد أن أصبح عبئاً عليه.