كتبتُ في هذه الصحيفة الغراء في تاريخ 08 يناير 2013 عندما قررت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك مغادرة الكرسي الوزاري، وكتبت يومها ما مفاده أن «أوباما ورث من سلفه إرثاً خارجياً صعباً جداً، وقد أزاحه من البيت الأبيض من خلال حملته الانتخابية القاضية بإصلاح سياسته الخارجية في ميادين حربية أُرسل إليها جنود أميركيون دون داعٍ: فمنذ سنة سحبت أميركا قواتها من العراق، وبعد سنة أي في أواخر سنة 2014 ستسحب قواتها من أفغانستان، والنتائج الأمنية والسياسية في البلدين كارثية».. وأتذكر أنه في ديسمبر عام 2011 عندما استقبل الرئيس الأميركي رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي قال له بالحرف: «في الوقت الذي نضع فيه حداً للحرب يجب أن يعي العراقيون أنهم ليسوا لوحدهم».. صحيح أن أوباما وكلينتون ورثا حروباً لم يكونا متسببين فيها... وكان العلاج الذي تبنياه هو سحب القوات العسكرية الأميركية تدريجياً وبأقل ضرر، والإبقاء على صداقات دبلوماسية مع تلك البلدان.. وليس لديهما حل غير ذلك، وهذه هي الدبلوماسية، وهي رياضة نفسية وبدنية مضنية وشاقة حيث الكثير من المخاطر والمتاعب، ونفهم من خلال ذلك كلام كلينتون عندما قالت يومها «صار أهم شيء بالنسبة لي الآن هو الابتعاد عن هذا التوتر الكبير الذي عشته والعودة إلى الحياة الطبيعية»، وعلقتُ «أنا مع ذلك على يقين أنها سترشح نفسها في الانتخابات الرئاسية لسنة 2016». ونرى اليوم أن هيلاري كلينتون وقد أعلنت ترشحها، وهي المرشح الأوفر حظاً لكسب ترشيح الحزب الديمقراطي لخوض سباق الرئاسة الأميركية، وهي التي تدربت في الشأن الخارجي لسنوات وعرفت بسياستها الأنيقة وبدبلوماسية الطاولة وحاولت التأصيل لأصول «القوة الذكية».. وليس هذا الكلام الذي أعيده، أو تنبأت به، للمن الفكري أو الاستعلاء الأكاديمي، وإنما لأعيد الفكرة المحورية للمقال سالف الذكر، وللرد على العديد من المحللين العرب الذين يكتفون بإلقاء اللوم على أميركا ووصفها بأنها رأس المشاكل في الشرق الأوسط بسبب الأحداث الدامية والمأساوية التي تعرفها مناطق عديدة، أو عندما يكتب الآخرون أن ما يحدث هو برغبة أكيدة ومدروسة من الولايات المتحدة لإبقاء المنطقة على بركان ساخن، دون الخوض في أبجديات السياسة الخارجية الدقيقة لأميركا والواقعية التي يجب أن تحكم فهم أصول النظام الدولي. إن السياسة الحالية المتبعة في أميركا هي هي ولن تتغير مع هيلاري كلينتون التي أظن أن لها حظوظاً وافرة في الفوز بالانتخابات الرئاسية للسنة المقبلة.. وحاصل هذه السياسة هو الذكاء في التعامل مع الأحداث العالمية بأقل تكلفة ولو بالتنسيق أو التعاون مع العدو! ثم الانسحاب الذكي من الأحداث العالمية كلاعب وحيد مع التغني في الخطابات أنها القوة العظمى في العالم. وهناك مجموعة من الأحداث المتتالية التي شاركت فيها الولايات المتحدة وتركت آثاراً وخيمة على علاقة الدولة بالناخب الأميركي كعدد موتى الجنود في مناطق النزاعات والقيمة الإجمالية للنفقات العسكرية التي يؤديها دافعو الضرائب الأميركيون بدءاً من فيتنام، مروراً بالصومال وأفغانستان، وصولاً إلى العراق. ثم إن من يقرأ مذكرات هيلاري كلينتون «خيارات صعبة» سيتوقف عند وقائع عديدة تعاونت فيها الخارجية الأميركية مع دول توصف بأنها «عدو» للوصول إلى نتائج ترضي الإدارة الأميركية بأقل ثمن. المعيار الأول في هذه السياسة الخارجية هي المصلحة العليا لأميركا، وفوق حشائش هذه المصلحة وتحتها توجد القضية الأولى وهي محاربة الإرهاب الذي يمكن أن يمس مصالحها الداخلية والخارجية إلى درجة غض الطرف عن المبادئ التي تدافع عنها منذ عقود وعلى رأسها حقوق الإنسان والحريات العامة.. ومن يقرأ التحليلات الدقيقة في المراجع الأميركية المتخصصة يلاحظ اتهام العرب بما فيهم السُّنة على أنهم حاضنون للإرهاب! وقضية «داعش» هي من رحم هذه الادعاءات، و«الداعشيون» يمتدون اليوم من بلاد الشام والعراق إلى جنوب شرقي آسيا وشمال وغرب إفريقيا. إن على بعض الدول العربية أن تعي هذا جيداً، وأن تفهم أن الاعتماد على الدبابات والجيوش الأميركية كما على الدعم الاستراتيجي الأميركي قد ولّى، وأن مصالح العرب وقضاياهم يجب أن يحلوها هم بأنفسهم، وأنه بدون نظام إقليمي قوي ومنظومة عربية موحدة فيها دول محورية أساسية تقود سفينة النظام العربي عسكرياً واقتصادياً وتنموياً، وبدون رؤى استراتيجية، وستعيش مناطق جغرافية عربية عديدة مشاكل لن تنتهي، وحروباً مدمرة، وإرهاباً بأوجه وتشعبات متعددة. ‏?