في نهاية الأربعينيات الميلادية، قدِم الملك عبدالعزيز لزيارة حقول النفط في المنطقة الشرقية، وكان ممن رافقه في جولته ماجد بن خثيلة، الذي صحب الملك وشهد معه فيلماً عن سير العمل في شركة الزيت العربية، يمكنكم أن تشاهدوا صورة مثيرة لهذه الزيارة، تظهر ابن خثيلة وهو في الصف الثاني خلف الملك عبدالعزيز، مشدوداً نحو العرض السينمائي، ويبدو أنها المرة الأولى التي يرى فيها تلك الآلة الغريبة، كما رافق الملك أيضاً في لقائه مع روزفلت وتشرشل. كان ابن خثيلة من قادة التمرد على الملك عبدالعزيز من «إخوان من طاع الله»، الذين واجههم في السبلة شمال غرب الرياض عام 1929، ثم فر واختفى فترة من الزمن حتى عفا عنه الملك، وأصبح من المخلصين المقربين. ويكمن نجاح الملك في إدماج أولئك المحاربين القساة الأتقياء الذين تركوا البدو، ورضوا بحياة القرى، لكي يكونوا أنصار مشروع رأوا فيه تلبية لأشواقهم الأخروية، ودعوة دينية، جندوا من أجلها كل ما يملكون، ثم واجهتهم حقيقة أكبر من أحلامهم، وعالم جديد ترسم فيه الحدود، وقانون دولي لا يسمح بعصر الفتوحات والحروب التوسعية. وبعد عشرين عاماً منذ السبلة طوِّعت تلك الحشود من آلاف المحاربين، لكي يكونوا جنوداً يحمون الحدود الجغرافية للمملكة، بعد أن كانت ثورتهم رفضاً لمشروع الدولة، وعدم اعتراف بتلك الحدود الدولية والاتفاقات التي أبرمها عبدالعزيز. اليوم تمر المملكة العربية السعودية بتحدٍّ ليس أقل خطراً مما حدث، ولكنه خطر في مجال الأفكار، والعقائد. ثمة ما يمكن وصفه بأنه سجية شبه ثابتة للحكم السعودي، تغيب ملاحظتها عن كثير من الخبراء المعنيين بمسارات التحول في المجتمعات ورؤى التحديث والإصلاح حينما يضعون المملكة العربية السعودية تحت الدراسة، أو يطرحون مسألة الإصلاح الديني، وهو أن القيادة كانت على الدوام تراعي جانب الحذر في كل خطوة تلامس المجال الديني، وهذا الحذر كان لعقود طويلة واحداً من العوامل الداعمة للاستقرار، والتنمية والسلم الاجتماعي، ولكنه من جهة أخرى كان له عواقب وخيمة وآثار غير مرضية ونتائج سلبية، في الشأن الاجتماعي والديني، وإدارة التنوع المذهبي بشكل عام. حيث تبدو المملكة أمام جيرانها وأمام المجتمع الدولي قد تأخرت كثيراً عن حسم حزمة من المشاكل التي غدت تمثل أزمات، وأصبحت محاولة إصلاحها أو الدنو منها تحدياً خطيراً، إلى الحد الذي يدفع أحياناً إلى التخلي عن حلها وتفضيل إرجاء حسمها، ولكنها أصبحت مثل كرة الثلج تتعاظم مع الوقت وتتعقد. ثمة خطوة اتخذها جلالة الملك سلمان بن عبدالعزيز، لم تسلط الأضواء عليها بما تستحق، وهي تبرعه بإعادة بناء مسجد القديح الذي استهدف من قبل «داعش» في تفجير ذهب ضحيته الشهر الماضي واحد وعشرون قتيلاً وعشرات الجرحى. إن تبرع خادم الحرمين الشريفين بإعادة بناء مسجد لرعاياه من أبناء المذهب الشيعي هو الحدث الأول من نوعه يقوم به ملك سعودي منذ 1744، أي منذ تأسيس الدولة الأولى، من حين تعاهد محمد بن عبدالوهاب، ومحمد بن سعود. إن عقائد السلف تنص على أن كل ما هو داخل في صلب العبادة أو معناها، يجب أن يكون متوافقاً مع تعاليم الدين الصحيح. يمكن النظر إلى هذه الخطوة من زاوية السياسة، أي أن ملكاً يشعر بمسؤوليته نحو رعاياه أياً كانوا، ولكن أبعادها الدينية تتجاوز ذلك بكثير، وعلى الخصوص أنها جاءت متوافقة مع قرار جلالته أن يعتبر من قضوا في حماية مسجد الحسين (شهداء)، والشهادة لها ضوابطها التي يجب أن تتوافق مع المعتقد الصحيح. شرعاً يعني تبرع خادم الحرمين الشريفين بإعادة بناء المسجد هنا، قربة وعبادة، والله لا يقبل إلا ما كان طيباً، وهي تعني اعترافاً بأبناء المذهب الجعفري. هنا يجب على السعوديين أن يخطو خطوة أخرى إلى الأمام، ولكن مع الأخذ في الاعتبار، أن ما يزيد عن قرنين من الإرث الديني، المعادي للشيعة، يعني أنه لابد من إشراك الشخصيات الدينية السعودية من العلماء والدعاة والوعاظ الفاعلين المؤثرين في هذا التحول، فمنها طمأنة المتخوفين من هذا التحول، ومنها إشراكهم في كل ما يرسخ الاستقرار والأمن والسلم الاجتماعي، بدون إشراك هذه الفئة فسنكون أمام قصة تتكرر دائماً، وهي أن أي قرارات من هذا الشأن سيكون مآلها التعثر، لا سمح الله.