في حركة انتعاش جديدة تشهدها الساحة السياسية الجزائرية، تمت إعادة تزكية عمار سعداني أميناً عاماً لحزب «جبهة التحرير الوطني» الحاكم أواخر الشهر المنصرم، وأطلق رئيس الحكومة الأسبق والمعارض الحالي علي بن فليس المؤتمر التأسيسي لحزبه الجديد، السبت الماضي، وقبله -في يوم الأربعاء- أعيد انتخاب أحمد أويحيى على رأس حزب «التجمع الوطني الديمقراطي» (الآرندي)، ثاني أكبر حزب في الجزائر بعد «جبهة التحرير الوطني». وتأتي عودة أويحي لقيادة الحزب الذي سبق أن ترأسه (1999 -2013)، في ظل الحديث حول تغييرات مرتقبة في المؤسستين السياسية والعسكرية، وما يثار حول الوضع الصحي للرئيس بوتفليقة. وكان لافتاً تشديد أويحيى أن الرئيس لا ينوي توريث السلطة لأخيه الأصغر ومستشاره الخاص، ثم حديث الصحافة الجزائرية في اليوم التالي لمؤتمر «الآرندي» عن دور جديد تتم تهيئة أويحيى له مستقبلا. لكن من هو أويحيى في الحياة العامة الجزائرية؟ وكيف ينظر إلى إعادة انتخابه على رأس «الآرندي»؟ أويحيى رئيس وزراء سابق وزعيم حزب «التجمع الوطني الديمقراطي»، عمل دبلوماسياً في الخارجية الجزائرية، ثم وزيراً في الرئاسة، قبل أن يترأس الحكومة على فترات بين عامي 1995 و2012. ولد أحمد أويحيى عام 1952 في منطقة «إبودرارن» بولاية «تيزي وزو» في منطقة القبائل (البربر) شمال الجزائر. وبعد إنهائه الدراسة الابتدائية في الجزائر العاصمة (1958-1965)، التحق بمدرسة «الإدريسي» الثانوية وحصل منها على شهادة البكالوريا عام 1972، فدخل المدرسة الوطنية للإدارة في الجزائر العاصمة، ليتخرج فيها بشهادة في الدبلوماسية عام 1976، ثم ينضم إلى إدارة الشؤون الأفريقية في رئاسة الجمهورية كموظف متدرب عام 1978. وفي عام 1981 تم إرساله مستشاراً في السفارة الجزائرية بكوت ديفوار، ثم إلى البعثة الدائمة للجزائر لدى الأمم المتحدة في نيويورك عام 1984. وبين عامي 1988 و1989 أصبح ممثل بلاده لدى مجلس الأمن الدولي، قبل تعيينه في نوفمبر 1990 مديراً للبحث في مكتب وزير الخارجية «سيد أحمد غزالي»، ثم مديراً لقسم أفريقيا في وزارة الخارجية. وهو المنصب الذي بقي فيه حتى سبتمبر 1992 عندما أرسل سفيراً إلى باماكو مكلفاً بالتفاوض كوسيط في الصراع بين الحكومة المالية وحركة التمرد الأزوادي. لكنه استدعي للجزائر في أغسطس 1993 للعمل في حكومة رضا مالك كاتب دولة للشؤون العربية والأفريقية. وبعد ثمانية أشهر عُين مديراً لديوان رئيس الجمهورية اليامين زروال، مسؤولا عن الشؤون السياسية، بما فيها المفاوضات مع «الجبهة الإسلامية للإنقاذ»، والإعداد للانتخابات الرئاسية التي فاز بها الرئيس زروال في نوفمبر 1995. ولقربه من زروال وباقي قادة المؤسسة العسكرية، كان مفهوماً تعيين أويحيى رئيساً للحكومة أواخر عام 1995، وقد ظل في ذلك المنصب حتى ديسمبر 1998 حيث حل محله إسماعيل حمداني، وأعلن زروال أنه لن يترشح لانتخابات الرئاسة التالية، والتي فاز بها بوتفليقة في ديسمبر 1999، فعين أويحيى وزير دولة ووزيراً للعدل في أول حكومة برئاسة علي بن فليس. وبعيد خروجه من رئاسة الحكومة، تم انتخابه رئيساً لحزب «التجمع الوطني الديمقراطي» الذي تأسس عام 1997 بأيدي مقربين من الرئيس زروال، وحقق في العام التالي نتائج انتخابية مفاجئة بنيله 156 مقعداً من أصل 380 في البرلمان. لكنه مني بهزيمة في الانتخابات التالية (2002)، إذ لم يحصل سوى على 47 مقعداً، ليستقيل أويحيى من رئاسته، وليعينه بوتفليقة وزير دولة في الحكومة الجديدة. لكن الأزمة العاصفة بين بوتفليقة ورئيس حكومته بن فليس جاءت على طبق من ذهب لأويحيى، الذي اُستدعي لتكليفه مجدداً برئاسة الحكومة، في مايو 2003. بيد أنه استقال في مايو 2006 عقب مفاوضات بين أطراف التحالف الرئاسي المكون من «التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة التحرير الوطني» و«حركة مجتمع السلم». وبعد عامين تم تعيينه مجدداً من قبل الرئيس بوتفليقة في يونيو 2008 رئيساً للحكومة، وخلال ذلك العام أشرف على إدخال تعديل دستوري يتيح لبوتفليقة الترشح لولاية رئاسية ثالثة، وفي منتصف الولاية الثالثة تمت تنحية أويحيى من رئاسة الحكومة وحل محله عبد المالك سلال في سبتمبر 2012، فأمضى بعض الوقت بعيداً عن السلطة قبل تعيينه مديراً لديوان الرئاسة إثر إعادة انتخاب بوتفليقة رئيساً للجمهورية للمرة الرابعة في أبريل 2014. وبعد ثلاثة أشهر على إقالته من رئاسة الحكومة، اضطر أويحيى للاستقالة من قيادة حزبه، إثر حركة احتجاجية طالبت برحيله، حيث برر استقالته آنذاك بالحفاظ على استقرار التشكيلة السياسية. وبعد عامين ونصف العام على استقالته، ها هو أويحيى يعود لقيادة «الآرندي» بالتزكية والإجماع. فخلال دورة الانعقاد العادية للمجلس الوطني للحزب، الأربعاء الماضي، صوّت 300 عضو حضروا من أصل 362 على توليه منصب الأمين العام بالإنابة في انتظار اكتمال المدة الزمنية لولاية الأمين العام المستقيل عبد القادر بن صالح. ولم يكن من اللافت أن يشدد أويحيى أمام مؤتمر حزبه على أن مهمته الرئيسية تتمثل في توحيد البيت الداخلي لـ«الآرندي»، والعمل مع أحزاب الموالاة لدعم البرنامج السياسي للرئيس بوتفليقة. ولعل مرد الاهتمام الرئيسي بعودة الرجل يعود إلى غيابه الطويل نسبياً، وإلى السياق الراهن بما يشهده من تحركاتٍ لأطراف مؤثرة، مما يشي بعملية ترتيب للصفوف، ربما تحضيراً لمراحل مقبلة، لاسيما أن هذه العودة تأتي بعد المؤتمر العاشر لـ«جبهة التحرير» وكل ما ترتب عنه، وبعد رسالة التهنئة التي بعثها قائد أركان الجيش إلى أمين عام الحزب الحاكم عمار سعداني.. مما يدفع للتساؤل عن الدور الذي سيلعبه سياسي مخضرم مثل أويحيى، وسط التحولات الجارية والمرتقبة! محمد ولد المنى