إعلان وزير الخارجية الهندي هذا الأسبوع أن «ناريندرا مودي» سيزور إسرائيل قريباً، تم استقباله بابتهاج غير مسبوق في إسرائيل. لكن القوى والأحزاب العلمانية داخل الهند استقبلته بكثير من الشك والخوف. وسيكون أول رئيس وزراء هندي يزور إسرائيل منذ 68 عاماً، وهو تاريخ تهجير الفلسطينيين من وطنهم على أيدي الصهاينة وتأسيس الدولة العبرية. ولم يمثل هذا الإعلان عنصر مفاجأة بالنسبة للأكاديميين والمحللين السياسيين في دول الشرق الأوسط. وذلك لأن الزيارة كانت متوقعة منذ تقلّد «مودي» السلطة قبل نحو عام. وكان من المعروف للقاصي والداني بأنه يقيم علاقات شخصية قوية مع سياسيين إسرائيليين، خاصة مع «بنيامين نتنياهو» ليجسّد بذلك العلاقات القديمة الراسخة التي نشأت بين الجناح اليميني المتطرف للحركة الصهيونية العالمية والجناح اليميني المتطرف للحزب الهندوسي. وقبل وقت طويل من ظهور «مودي» في واجهة المسرح السياسي الهندي، سعت «منظمة راشتريا سيفاك سانج»، التي تعدّ المنظمة الأم التي انبثق عنها حزب مودي «بهاراتيا جاناتا»، إلى تأسيس علاقات قوية بطريقة خفيّة مع الحركة الصهيونية، وأعلنت عن دعمها وتأييدها لتأسيس دولة إسرائيل. ويعود سبب هذه اللحمة القوية التي نشأت بين الطرفين، إلى الكراهية التي يشتركان فيها للمسلمين العرب. وبالنسبة للحركة الصهيونية، يٌعد الفلسطينيون مجرّد قوم من الأغراب يقطنون أرضهم «أرض الميعاد»، فيما يعتقد قادة «منظمة راشتريا سيفاك سانج» أن المسلمين الهنود هم المسؤولون عن تقسيم الهند وإنشاء دولة باكستان. وانبهاراً بالانتصارات العسكرية التي حققتها إسرائيل في حروبها مع العرب، توصل الجناح اليميني للحزب الهندوسي إلى الاعتقاد بأن إسرائيل تمثل نموذجاً يستحق الدراسة لمواجهة باكستان. ولم تعمد الهند إلى إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل إلا في بداية عقد التسعينيات تعبيراً عن موقفها المبدئي من القضية الفلسطينية. ويعود تأسيس العلاقات بين البلدين إلى عام 1992 عقب التوقيع على «اتفاقية أوسلو». وما لبثت أن شهدت تطوراً قوياً في مجالات وحقول شتّى كالتجارة البينيّة وتبادل الخبرات في تكنولوجيا الفضاء والتعاون العسكري. وفيما كانت العلاقات بينهما تنمو وتزدهر، فلقد كانت تفتقر إلى الدفء لأن الهند كانت تتمسك بموقفها الذي يقضي بضرورة منح الشعب الفلسطيني حقه التاريخي بأرضه، وبأن هذه القضية يجب أن تحظى بما تستحقه من اهتمام. وأيدت الحكومات الهندية المتعاقبة التي يقودها «حزب المؤتمر» حقوق الفلسطينيين، ونددت بالممارسات الإسرائيلية الوحشية ضدهم، وعمدت إلى زيادة المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية. وعندما تقلدت أول حكومة في تاريخ الهند بقيادة حزب «بهاراتيا جاناتا» السلطة عام 1999، شهدت العلاقات بين البلدين بوادر ازدهارها. وفي ذلك العام، أصبح «جاسوانت سينج» أول وزير خارجية هندي على الإطلاق يقوم بزيارة إلى إسرائيل. وفي عام 2003، أصبح «آرييل شارون» أول رئيس وزراء إسرائيلي يزور الهند. وبدأت هذه العلاقة بالتطوّر من علاقات ثنائية تقليدية حتى اتخذت أبعادها الاستراتيجية. وقفزت القيمة الإجمالية السنوية للتجارة بينهما من 200 مليون دولار عام 1992، إلى نحو 6 مليارات دولار العام الماضي من دون احتساب مليارات الدولارات من مبيعات الأسلحة. وشيئاً فشيئاً برزت إسرائيل كأكبر مصدّر للأسلحة إلى الهند، وبما عزّز الشكوك بأن الأمر لا يتعلق بشراكة أمنية بين البلدين بقدر ما ينطوي على أسباب دينية وأيديولوجية ذات جذور عميقة. وقبل فترة من وصول «مودي» إلى السلطة كرئيس لوزراء الهند قبل نحو عام، كان يحرص على تعزيز العلاقات مع إسرائيل خلال 13 عاماً قضاها كرئيس للوزارة المحلية لولاية جوجارات. واستهل شراكته السياسية مع تل أبيب بزيارة إليها دامت خمسة أيام عام 2006 أثمرت عن الاتفاق على تأسيس فروع لشركات إسرائيلية رائدة في ولاية جوجارات تعمل في مجال الزراعة والصيدلة والطاقات البديلة وتكنولوجيا المعلومات. ولم يمرّ أي من الأعوام العشرة الماضية من دون أن يقوم وزير أو سياسي بارز من ولاية جوجارات بزيارة إلى إسرائيل. ونظراً لما يُعرف عن «مودي» من أنه سياسي داهية، وأنه يعلم حق العلم أن 200 مليون مسلم هندي يراقبون تحركاته ويحصون عليه أنفاسه، فلقد قرر استرضاءهم بإعلانه عن أنه سوف يقضي قرابة ساعة أو ساعتين في زيارة إلى رام الله يلتقي خلالها الرئيس عبّاس، ويعلن عن تقديم مساعدة للسلطة الفلسطينية بحفنة قليلة من ملايين الدولارات. رئيس المركز الإسلامي- نيودلهي