دعا أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح في كلمته أمام مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية في الأسبوع الماضي إلى وقفة جادة للنظر في الاحتقان الطائفي الذي بات يعصف بكيان أمتنا وبقوتها، فهذه العصبية هي الأخطر على وجود الأمة. وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس آثار مسألة القلق من اقتراب الحدثين العراقي والسوري من خطوط التقسيم في بلدين عربيين حيث يؤجج «داعش»، كما يؤجج النظامان السوري والعراقي، النعرات المذهبية. أمير الكويت ووزيرا خارجية كل من المملكة العربية السعودية وفرنسا طلبوا من دول التحالف الدولي مراجعة استراتيجيتها العسكرية بسبب تمدد «داعش»، ودعوا الحكومة العراقية إلى الالتزام ببرنامج المصالحة الوطنية وإعادة بناء عراق وطني وسياسة حكومية لا تميز بين السنة والشيعة. والسؤال هنا هو: هل يستطيع العراق عملياً وفعلياً تحقيق رغبة القيادة الخليجية والأوروبية في ما يتعلق بتبني سياسة وطنية غير طائفية؟ وهل ستجد مثل هذه الدعوة مكاناً لها في السياسة العراقية الحالية حتى يستقر العراق وينعم بالأمن والاستقرار والرفاهية الاقتصادية التي يحتاجها الشعب العراقي؟ بعيداً عن التمنيات الصادمة فإن الخطر على العراق اليوم يكمن في الولاءات الجانبية، مما جعل هذا البلد مجتمعاً مفككاً وغير موحد، فالطائفة السنية ولاؤها لأمتها العربية والإسلامية والشيعة العرب منقسمون، فبعض يريد التمسك بوحدة العراق وعروبته، لكن الفرقاء الآخرين لكل منهم مرجعيته الخاصة، أما الأكراد فكل ما تفكر به قيادتهم هو تحقيق استقلال كردستان لتكون وطناً قومياً لكل أكراد المنطقة، رغم أن رئيس جمهورية العراق منهم! فشلُ السياسيين العراقيين وفسادهم، هو الوجه الآخر لصعود النخبة الطائفية في إطار الوضع الحالي، والتي لا تجد غضاضة في تشكيل جيوش بديلة عن الجيش العراقي الموحد. فقوات البشمركة تمثل الأكراد، و«الحشد الشعبي» يمثلون الشيعة، وهناك نية لتشكيل حرس وطني وقوات العشائر بدعم من الأميركيين! هذه الجيوش المتعددة كل منها لديه حاضنته الاجتماعية الخاصة به، يحاول الدفاع عنها ضد أبناء وطنهم الآخرين من الشعب العراقي. هذه الجيوش والمليشيات المتعددة في العراق، لا تدافع عن الدولة أو الوطن العراقي، بل تلتزم بتوجيهات قياداتها الطائفية ومراجعها الدينية والقبلية والعرقية. الولايات المتحدة رغم ادعائها السعي لحماية العراق ووحدته، نراها تغض النظر عن التدخلات الإيرانية من خلال ميليشيات «الحشد الشعبي»، بل لعل واشنطن تعمل، وبشكل جدي، على تمزيق العراق لأهداف واضحة، في مقدمتها حماية أمن إسرائيل وتفوقها إقليمياً، وذلك بتمزيق بلاد العرب إلى طوائف وقبائل وقوميات يحارب بعضها بعضاً. لا يمكن تحقيق وحدة العراق بوجود حكومة طائفية، ونواب فاسدين، وأحزاب لا تدعو لوحدة الوطن وشعبه بل ترى هذه الأحزاب وسياسييها الفاسدين بأن الوضع الحالي يحقق مصالحها الآنية حتى ولو احترق العراق وتمزق شعبه. لن ينقذ العراق إلا وجود مؤسسة عسكرية قوية ترأسها قيادة نزيهة كل همها حماية العراق وشعبة قبل فوات الأوان. المجتمع الدولي لن يستطيع فرض الوحدة على الشعب العراقي ما دامت الحكومة وسياسيوها مستفيدين من الوضع الطائفي القائم. ----------------------- *أستاذ العلوم السياسية- جامعة الكويت