كانت عملية «داعش»، أو المحسوبين عليها، في القطيف هي الثانية بعد الدالوة في الأحساء. وربما كانت هناك حوادث أُخرى أقلّ خطورة. منذ ظهور «داعش» عقب «القاعدة» والزرقاوي، احتار المراقبون في تحليل تصرفاتها. فهي في إعلاناتها تتحدث عن الصفويين وعن إيران وعن «حزب اللات»، لكنها على الأرض تركّز جهودها ومقاتلها ضد المجتمعات السنية في سوريا والعراق واليمن.. والمملكة العربية السعودية. وبينما انصرفنا نحن إلى فهم تلك التصرفات كدليل على أنّ «داعش» إنما تعمل عند النظامين السوري والإيراني، لأنّ رجالاته خرجوا من السجون السورية والعراقية في عام 2012، راحت إيران والنظام السوري يناديان الأميركيين والأوروبيين للتعاون معهما في مكافحة «داعش». ولأن الأميركيين الذين يشنون حملة جوية على «داعش» في سوريا والعراق، منذ تسعة أشهر، ما أرضوا طموحات نصرالله والإيرانيين، ، فإنه اتهمهم في آخِر خطاباته بالتآمر مع تركيا وقطر والسعودية على إيران وأنصارها الأشاوس! لقد أخبرني ضباطٌ من الجيش اللبناني المعسكِر بعرسال اللبنانية وعلى تلالها منذ سنةٍ وأكثر، أنّ الذين كانوا يتحرشون بالجيش طوال شهور، كانوا حَصْراً من «داعش»، وأنه منذ شهرين وأكثر، ونتيجة الاشتباكات بين «داعش» والمسلحين السوريين الآخرين، فإنّ الداعشيين انكفأوا عن التلال المشرفة على عرسال، فتوقفت كل الاشتباكات والقصف بين الجيش والمسلحين بغياب «داعش» عن الحدود. وما يقال عن لبنان، يصدق أيضاً على سوريا والعراق. فكل المناطق التي احتلّها التنظيم هي مناطق سنية. وعندما أراد الامتداد من مناطقه في سوريا اتجه لمقاتلة مسلحي «الجيش الحر» والأكراد في عين العرب. وكذلك الأمر في العراق. إذ بعد الاستيلاء على معظم أراضي المحافظات السنية، وأهمها الموصل، كان أمامه إمّا الاتجاه لسامراء القريبة، أو للمناطق الكردية التي فيها اختلاط إثني ومذهبي بمجموعات كردية وأقليات مسيحية وأزيدية وسنية. وقد آثر مهاجمة المناطق الكردية المنيعة تاركاً سامراء وبغداد، والتي ارتدّ عنها مهزوماً، كما أرتد عن عين العرب، دون أن يدفعه ذلك لتغيير سلوكه. إذ في الأيام الماضية، عاد فاحتلّ الرمادي السنية بالعراق، وتدمر السنية بالصحراء السورية. ويعتبر الداعشيون أنّ شرعيتهم تواجهُها شرعيتان: الشرعية السعودية، والشرعية المصرية. الشرعية السعودية أهمُّ بالنسبة لهم لأنهم يتنافَسون معهم على السلفية بالذات (!) لذلك فهم يعتبرون أنه إمّا هم أو سلفية السعودية وأشعرية مصر. لذلك أتوقّع أن يحاولوا نشر العنف بقدر ما يستطيعون في هذين البلدين. وقد بدأوا ذلك من اليمن من سنوات، وحاولوا منافسة «القاعدة في جزيرة العرب»، و«أنصار الشريعة».. والطريف أنّ الردَّ كان أنهم أكثر شرعيةً منهم، لأنهم يقاتلون السعودية ومصر من سنوات! وفي السعودية هدفٌ إضافي ما استطاعوه في مصر، وهو الأقلية الشيعية هناك. فهم يدّعون حماية الإسلام السنّي في كل مكان، والذي هو مستهدَف من إيران ونظام الأسد، بينما هم يشتغلون عملياً مع النظامين في استهداف السنة، ولذا فها هي ساحة وفرصة يمكن الزعم فيها بأنهم يواجهون الشيعة، ويكملون بذلك حربهم على السعودية، بزعم أنها لا تستطيع حماية مواطنيها، وأنّها تحسن معاملة الشيعة، بينما الإيرانيون وأنصارهم يقتلون السنة في سوريا والعراق. وهكذا يكون استهداف الشيعة بالسعودية جزءاً من حملتهم على الشرعية التي تقوم عليها المملكة. إن الضلال الداعشي ما بعده ضلال. وقد قال الله سبحانه وتعالى عن أمثالهم: {الذين ضَلَّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}. بيد أنّ الأهوال القادمة ستجلب معها مذابح كبرى مختلطة بين إيران وميليشياتها و«داعش» والتنظيمات المشابهة. ولا شكَّ أنّ الفريقين سيصطدمان اصطداماً مدوياً، لكن الضحايا على يد الطرفين كانت وستكون من السكان المدنيين السنة، ومن التنظيمات الأُخرى التي تقاتل ضد الأسد و«حزب الله». لذلك، وإلى جانب مكافحة دعاوى الشرعية من جانب «داعش» بالكلمة والحجة والدعوة، يكون علينا التفكير في كيفية حماية المجتمعات وتأمينها، سنةً وشيعة. فالشيعة العرب بحاجةٍ للحماية من التطرف الإيراني المغري، كما من التطرف الداعشي القاتل. والحل في مسألة الشرعية هو في الحماية والضمانة والتأمين. ------------------- *أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية