فُجعت المملكة العربية السعودية يوم الجمعة الماضي 4 شعبان 1436هـ، 22 مايو 2015م)، بحادث تفجير مسجد الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في قرية القديح، راح ضحيته 21 شخصاً من المصلّين، وجُرح فيه زهاء 100 شخص. وقد هزّت هذه الحادثة المجتمع السعودي بأسره، وأرسلت العديد من المدن وفوداً لتعزية أُسر الضحايا بالقديح، كما توجّه كل من وليّ العهد السعودي وأمير المنطقة الشرقية لتعزية أهالي الضحايا، وزاروا المصابين في المستشفيات لتخفيف آلام مصابهم. كما شكلت وزارة الصحة السعودية فرقاً من المتخصصين للدعم والعلاج النفسي لضحايا هذا الحادث الغادر. والقديح مدينة صغيرة لا يتعدى سكانها 30 ألف نسمة غالبيتهم تعمل في الزراعة وصيد الأسماك، وهي مدينة مسالمة وإن تعرضت لحادث اشتعال خيمة للأفراح فيها قبل عدّة سنوات راح ضحيته حوالي 70 شخصاً من النساء. والحقيقة أنّ هذا العمل الجبان الذي قام به ذلك الإرهابي (صالح بن عبدالرحمن القشعمي) خلال صلاة الجمعة يُعتبر عملاً إجرامياً وغير إنساني، يستهدف إثارة الفتنة الطائفية في البلاد. وعلى رغم أن تنظيم «داعش» قد أعلن مسؤوليته عن الحادث، إلا أنه يحمل بصمات تخطيط مخابرات أجنبية. فالمادة المستخدمة في التفجير (RDX) كانت حتى وقتٍ قصير لا توجد إلا في مخازن عسكرية لدول رسمية. فالمادة شديدة الانفجار، وتضاهي بمراحل عدة انفجار مادة (TNT). ولم تبدأ الحركات الإرهابية في استخدامها إلا في تفجيرات بومباي عام 2003. وفي عام 2005، تم استخدامها لاغتيال المرحوم الرئيس رفيق الحريري في بيروت. وفي يوليو من عام 2012 ألقت الحكومة الكينية القبض على اثنين من العملاء الإيرانيين الذين كانت بحوزتهم كميات من (RDX)، وكانوا يخططون لاستخدامها في عملية إرهابية مخطط لها ضد المملكة العربية السعودية. وتزامن هذا التفجير مع تطور الأحداث في اليمن، مما يعطي انطباعاً بأن المسؤول عن هذا العمل أراد أن يشغل المملكة بعملية إرهابية تضرب وحدتها الوطنية، وتشغل قواتها الأمنية عما يحدث على الجبهات الجنوبية. والحقيقة أن بعض الأعمال الإرهابية التي تتبناها بعض الدول الإقليمية ضد دول المنطقة، ستبوء بالفشل، وتعود عليها بعون الله، وستنعكس على داخلها الذي بدأ يتضجّر من تصدير أمواله لزعزعة الاستقرار في بلدان المنطقة العربية. وقد شهدنا كيف أن المتظاهرين من المدرِّسين في طهران يرفعون لوحات بأنهم «جائعون»، كما أن القوميات المكوّنة للشعوب غير الفارسية في إيران قد باتت تشعر بالإقصاء الشعوبي والعنصري ضدها. فأهلنا في الأحواز يبتهجون بزيارة فريق عربي لهم، ويلبسون الملابس العربية للتأكيد على انتمائهم العروبي لأبناء جلدتهم، ويحاولون تعليم أبنائهم اللغة العربية على رغم منع السلطات الإيرانية لهم من ذلك. ومثلهم أبناء جنوب أذربيجان الذين يرفعون الشعارات الوطنية بأنهم يمثّلون جنوب أذربيجان، وليس غير ذلك. ومثل ذلك الأكراد الذين انتفضوا قبل أسبوعين إثر مقتل شابة كردية. ويحارب البلوش في جنوب شرق إيران منذ أمدٍ بعيد من أجل حق تقرير المصير. ولذلك، فإنّ تصدير العنف للخارج ومحاولة زعزعة استقرار البلدان العربية ستنعكس حتماً على الداخل الإيراني نفسه. ونحن في المملكة العربية السعودية، وفي الخليج، سنبقى لُحمةً واحدة، مسلمين، نصلّي إلى قبلة واحدة، وإن اختلفت الطرائق والمذاهب، وسنحمي بعضنا بعضاً من المتطرّفين، والإرهابيين، أيّاً كان مذهبهم وسحنتهم. فحياتنا ووحدتنا ستظل بعون الله متماسكة، مهما حاول الأعداء بذر بذور الكراهية والبغضاء في صفوفنا، وبعون الله لن ينجحوا في ذلك. وعلينا في الوقت نفسه، أن نمنع بعض المتطرفين الذين يستخدمون المنابر لبثّ الضغينة في صفوف أبناء الشعب الواحد، وأن نذكّرهم بأنّ الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها. فبلادنا ستظل بعون الله، بلد المحبة والسلام، تحارب التطرف، وتدعو لدين الله الرحيم الذي أُنزل رحمةً وليس عنفاً للعالمين. حفظ الله بلادنا، ورحم موتانا، وحفظ وحدتنا من كيد الكائدين. -------------- أستاذ العلوم السياسية - جامعة الملك سعود