تتقاسم ميانمار، المعروفة أيضاً باسم بورما، الحدود مع بنجلاديش والصين وتايلاند والهند. ويتبع معظم سكانها الديانة البوذية، لمؤسسها بوذا، وهم لا يستطيعون تحمل المعاناة الإنسانية، لذا فقد تركوا الحياة الدنيوية لنشر السلام والتسامح والإنسانية بين البشر. ويوجد نحو 1,5 مليون مسلم في ميانمار، يعيش معظمهم في ولاية «راخين» الغربية. وهم عبارة عن أقلية عرقية تعرف باسم «الروهيجنا» وتنحدر سلالتهم من التجار العرب الذين عاشوا في بورما لقرون عدة. وفي 1886، احتلت بريطانيا ميانمار وجعلتها جزءاً من الهند نظراً لأن حدودها تمتد لمسافة طويلة مع ولاية البنغال الهندية. ولكن منذ رحيل البريطانيين من هذه الدولة عام 1948، بدأ مسلمو بورما يواجهون اضطهاداً شديداً وعنفاً على أيدي الدولة والحكومات الوطنية، حيث تم حرمانهم من حقوق المواطنة في بلادهم. وفرضت حكومة ميانمار شرطاً غريباً يتعين بموجبه على كل فرد من أفراد الروهيجنا إثبات أن أجداده/أجدادها كانوا موجودين في بورما عام 1840، ما يعد مطلباً سخيفاً في بلد كانت الأكثر تخلفاً في ذلك الوقت، حيث كانت السجلات الرسمية للمواطنين أو بطاقات الهوية غير موجودة. وتدريجياً، ازداد قمع مسلمي الروهيجنا، بدءاً من القيود المفروضة على تحركاتهم وحتى سحب حقوق التصويت منهم، علاوة على هجمات واسعة النطاق على مدنهم وقراهم. وفي أكتوبر 2012، قتل ما يزيد على 200 مسلم في هجمات استهدفتهم على يد الغوغاء البوذيين، حيث أحاطوا بمنازلهم وأشعلوا فيها النيران. وقد انتقل أكثر من 140 ألف مسلم إلى مخيمات اللاجئين في داخل بلادهم، وحيث إن حكومة ميانمار لا تسمح لهم بترك هذه المخيمات، يحاول عدد متزايد منهم الفرار من لعنة مزدوجة تتمثل في الفقر والاضطهاد إلى دول ماليزيا وإندونيسيا وتايلاند المجاورة. ولعدم رغبتها في تحمل عبء النزوح من ميانمار، فإن هذه الدول تتردد في الترحيب بهم. ووفقاً لوكالة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن أكثر من 120 ألف من مسلمي بورما قد فروا بالفعل من البلاد. ويتربح مسؤولو الأمن والبحرية البورمية من التطهير العرقي للمسلمين أولاً من خلال مطالبة المسلمين الفارين بأموال، وثانياً من خلال تسليمهم لتجار البشر في تايلاند. ولأنهم مجبورون على المغادرة بالقوارب إلى معسكرات الاتجار في الجزر التايلاندية البعيدة، فإنهم أيضاً يواجهون عنفاً، ونقصاً في الطعام والمياه. أما بالنسبة للذين يسقطون مرضى وعلى وشك الموت، فيتم الإلقاء بهم في عرض البحر. أما القادرون على البقاء على قيد الحياة، فيتم احتجازهم في معسكرات الاعتقال في تايلاند حتى يدفعوا آلاف الدولارات لتجار البشر مقابل إطلاق سراحهم. وتحول نزوح لاجئي الروهيجنا من ميانمار إلى أزمة إنسانية كبيرة. والأكثر إثارة للدهشة هو أنه على الرغم من أن الأمم المتحدة وصفت مسلمي الروهيجنا كأكثر جماعة عرقية مضطهدة في العالم، إلا أن ما يطلق عليهم رافعو راية حقوق الإنسان في الغرب، لا يلقون بالاً لمحنة هؤلاء الناس وإنقاذهم من مزيد من البؤس. وحتى زعيمة المعارضة البورمية السيدة «أونج سان سو كي» فقد فشلت حتى الآن في التحدث عنهم. وباعتبارها حاصلة على جائزة نوبل في مجال حقوق الإنسان، فإن الكثير يتوقعون منها الدفاع عن قضيتهم. والأزمة الحالية، حيث تقطعت السبل بالمئات من مسلمي بورما على الزوارق في عرض البحر مع القليل من المساعدة، قد أثبتت وضعهم المؤسف. فهم مجبرون على الدخول إلى دول مجاورة بصورة غير قانونية، ثم التوسل من أجل الدعم الإنساني من الدول المضيفة المحتملة، الأمر الذي وصل الآن إلى وضع متفجر. وبدأ كل شيء بعد أن شرعت تايلاند في حملة على عصابات التهريب والتدقيق المتزايد على الحدود. وقد أسفرت هذه الحملة عن قيام المهربين بترك قواربهم مملوءة بمسلمي الروهيجنا الذين كان يتم تهريبهم إلى تايلاند. وطفت القوارب المملوءة بالأشخاص مع تضاؤل المخزون الغذائي في خليج البنغال وبحر أندامان. وأدى هذا بدوره إلى أزمة إنسانية ذات أبعاد لم يسبق لها مثيل. وتشير التقديرات إلى أن نحو 25000 من مسلمي الروهيجنا قد فروا بالقوارب إلى دول مجاورة، من بينها إندونيسيا وماليزيا في الأشهر الأخيرة. ويعيش نحو 7000 منهم الآن في الهند بصفة لاجئين. ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو 3500 ما زالوا محاصرين في أعالي البحار على زوارقهم، مع نقص الإمدادات الغذائية. ومن الواضح أن هناك حاجة لإنقاذ حياتهم وإيجاد حل طويل الأجل لهذه الأزمة. وتحث دول المنطقة، وكذلك الولايات المتحدة، بورما لتحسين معاملتها للروهيجنا والتفكير في منحهم حقوق المواطنة، لكن الحكام العسكريين في بورما لا يتجاهلون فقط هذه الدعوات، بل أيضاً يصفون الروهيجنا بأنهم لاجئون من بنجلاديش. ويتعين على المجتمع الدولي ممارسة ضغوط على حكومة ميانمار لقبول الروهيجنا كمواطنين وإنهاء الاضطهاد وإعادة تسكينهم في مدنهم وقراهم. مدير مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي