عندما وصلت إلى «معبد بيل» الواقع في عمق البادية السورية، كان الحراس التابعون لمديرية الآثار نائمين. ولم يكن ذلك خارجاً عن المألوف لأنني وصلت إلى هناك قبل الموعد المحدد لبدء استقبال السيّاح، أي في حدود الساعة 5:30 صباحاً، وكان الظلام الدامس لا يزال يخيم على المكان. حدث هذا عام 2005 عندما كان العراق يشهد حرباً ضروساً، ولكنني كنت في سوريا. وكان السيّاح الأوروبيون على وشك التجوّل بين خرائب وآثار تدمر، ومن أهمها تمثال عمره 2000 عام. ولقد تمكنت آثار تدمر من الصمود لمدة ألفي عام حتى وصلت إلينا، ويمكن لهذه الحجارة أن تجعل السفر عبر الزمن ممكناً. وأما الآن، وفي هذا المكان، فلقد أصبحت الحضارة الرومانية وتنظيم «داعش» الإرهابي في مواجهة بعضهما بعضاً. وخلال الأسبوع الماضي، تمكن الإرهابيون من احتلال تدمر، واتضح بعد ذلك بأن كلاً من القطع الأثرية والسكان المقيمين في المدينة الذين يبلغ عددهم 50 ألفاً لا قيمة لهم في نظر تنظيم «داعش»، وكانت لدينا فكرة مسبقة عما يمكن أن يفعله هذا التنظيم بالسكان والآثار. ففي مواقع أثرية، مثل «حضر» و«نمرود»، عمد الإرهابيون إلى تفجير ونسف الآثار القديمة. وكانت «تدمر» تمثل في قديم الزمان مدينة صغيرة تجاور واحة تعبرها القوافل التجارية إلى أن قرر الرومان استيطانها، وأنشؤوا فيها مستعمرة واسعة، وعمدوا إلى إقامة الأعمدة والتماثيل نزولاً عند رغبة القيصر. وتغطي الآثار مساحة تُقدر بنحو 24 كيلومتراً مربعاً من الصحراء المكشوفة. وتعبر آثارها ومنحوتاتها عن الرقي الذي بلغته الإمبراطورية الرومانية في ذلك الوقت. ويعود سبب اهتمام الرومان بها لكونها تمثل عقدة مواصلات مهمة على «طريق الحرير». وكانت القوافل التجارية العربية تنقل البضائع الثمينة الآتية من الشرق عن طريقها. وفضل رجال الأعمال الرومان المتبوعين بالمستعمرين والجيوش الجرارة، تحويل هذه البقعة الصحراوية إلى نموذج حضري يحاكي مدينة البندقية «فينيسيا». وخلال قرون قليلة، توسعت الإمبراطورية الرومانية حتى بلغت آسيا الوسطى وانتشر ساستها وتجارها شرقاً عن طريق تدمر التي أصبحت تقع على التخوم الأكثر بعداً لعالمهم الرحيب. وأما فكرة «إنقاذ» هذه الآثار الآن، فلقد أصبحت غير ممكنة. وسبق لعلماء آثار أوروبيين عاشوا في القرن التاسع عشر أن قاموا بإعادة تنصيب عدد كبير من أعمدة تدمر الأثرية الساقطة على الأرض بعد أن عمدوا إلى تدعيمها بالأحجار الإضافية اللازمة، وبما أوحى بالمشهد غير الحقيقي للموقع. وإن لمن الصعوبة بمكان إنقاذ أكوام الحجارة الأثرية المحطمة والمتناثرة خاصة، وأن آثار «تدمر» تشكل في مجموعها سلسلة من الخرائب والحطام الأثري. وكان الامبرطور الروماني هو الذي أمر بتدمير القسم الأكبر منها لإنهاء التمرّد الذي وقع ضدّه في تلك المملكة البعيدة. وإذا تمكن تنظيم «داعش» من إسقاط الأعمدة الشهيرة، أو تفجير رأس الأسد المنحوت، فسوف تعود كارثة تحطيم آثار تدمر إلى الوجود مرة أخرى. وسبق لتنظيم «طالبان» الإرهابي في أفغانستان أن نجح بتحطيم التماثيل الضخمة لبوذا عام 2001. وبالطبع، سوف تكون الخسارة جسيمة عندما يتم تدمير أي موقع أثري في العالم، لأن من شأن ذلك أن يضعف لدينا قوة الإحساس بأحداث التاريخ، ويفقدنا فرصة ثمينة لإغلاق الدائرة الزمنية التي تحقق التواصل بيننا وبين الماضي. وفي سوريا التي تعد من أهم المناطق الأثرية في العالم، بقيت تدمر تشكل موقعاً استثنائياً من حيث المساحة والغنى بالقطع الأثرية النادرة. وأما فيما يتعلق بالمصير الذي تؤول إليه القطع الأثرية المنهوبة، فهو ليس التدمير كما يزعم «الجهاديون». ولقد آثر تنظيم «داعش» تجنّب الإشارة في أشرطة الفيديو التي يقوم بتسريبها إلى وسائل الإعلام إلى أنه يعمد إلى بيع الآثار المنهوبة من متحف الموصل بدلاً من تحطيمها. باتريك سيميس __ __ _ _ محلل أميركي متخصص في الآثار والمعالم السياحية ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»