بفارق يومين فقط بين 23 و25 مايو الحالي صدر عن الحكومة الإسرائيلية موقفان متناقضان حيال الرئيس أوباما. إن هذا التناقض بين يوم ينتقد فيه الإسرائيليون أوباما ويوم تال يوجهون فيه إليه الشكر، يعكس الصورة التي يريدون أن يكون أوباما عليها. إنهم يريدون أي رئيس أميركي منحازاً إلى مواقفهم ومصالحهم وأطماعهم التوسعية، وهنا يستحق الشكر مثلما فعل نتنياهو أخيراً عندما شعر بالارتياح للموقف الأميركي الذي عرقل الحملة التي تقودها مصر بدعم من دول عربية ودول حركة عدم الانحياز لحظر الأسلحة النووية في منطقة الشرق الأوسط، بما يشمل الترسانة النووية الإسرائيلية أيضاً. أما أن يتجاسر أوباما فيعترض على موقف عنصري وآخر توسعي صدرا عن نتنياهو أثناء حملته الانتخابية في شهر مارس الماضي، فهذا أمر لا يحتمله ولا يغفره الإسرائيليون، وذلك عندما أدلى الرئيس الأميركي بحديث لمجلة «أتلانتك» قال فيه: إن ما قاله نتنياهو من أن الدولة الفلسطينية لن تقوم طالما بقي رئيساً للوزراء وما صرح به يوم الانتخابات الإسرائيلية من أن العرب يتدفقون على صناديق الانتخابات ليحفز الناخبين اليهود على الإدلاء بأصواتهم، هما تصريحان يتعارضان مع وثيقة الاستقلال التي أعلنت قيام دولة إسرائيل التي تنص على المساواة بين السكان دون تمييز ديني أو عنصري، وأيضاً يتناقضان مع تحقيق السلام. هنا كان يجب أن يتلقى أوباما اللوم الإسرائيلي، فأعلن أحد وزراء حكومة نتنياهو، وهو ياريف ليفين، أنه يعتبر تصريح أوباما تدخلاً في الشؤون الداخلية لدولة إسرائيل، وأنه تصريح تتمنى إسرائيل ألا تسمع مثيلاً له في المستقبل. كذلك استنكر رئيس لجنة الشؤون الخارجية والأمنية بالكنيست، وهو تساحي هنجبي أحد قيادات «ليكود»، تصريح أوباما. طبعاً لم يعد غريباً ولا مثيراً للدهشة بالنسبة للمراقبين السياسيين أن يطبق الساسة الإسرائيليون معايير مزدوجة، فلقد تأكدنا أنها جزء عضوي من طبائع السياسة الإسرائيلية، إنهم يعترضون على أي برنامج نووي آخر في المنطقة، وفي نفس الوقت يرفضون التخلص من ترسانتهم النووية، كذلك ستجدهم يستنكرون تاريخ الاضطهاد الأوروبي لليهود، وفي نفس الوقت يمارسون الاضطهاد ضد العرب، وهم يشكون من المجازر التي ارتكبت ضد اليهود في روسيا القيصرية في القرن التاسع عشر وفي ألمانيا النازية في القرن العشرين، ونحن معهم نستنكر هذه المجازر، لكنهم في نفس الوقت يرتكبون مثلها ضد العرب بدءاً من مجزرة دير ياسين عام 1948 والتي يعلمها الجميع وقد وثقها المؤرخون الإسرائيليون أنفسهم. وفوق هذه المعايير المزدوجة فإنهم غير مستعدين لقبول أي انتقاد موضوعي لسياساتهم العدوانية والتوسعية، ولا يترددون في محاولة دمغ منتقديهم باتهامات معاداة السامية. إن كل ما طلبته مصر في مؤتمر مراجعة معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، والذي عقد أخيراً تحت مظلة الأمم المتحدة، هو أن يقوم الأمين العام للأمم المتحدة بالدعوة لعقد مؤتمر إقليمي حول حظر هذه الأسلحة في الشرق الأوسط، تطبيقاً لقرار اتخذ في اجتماع حول نفس الموضوع جرى عام 2010. هنا استحقت السياسة المصرية النقد الشديد والاستنجاد الإسرائيلي بالرئاسة الأميركية للتصدي للاقتراح المصري! وعندما استجابت إدارة أوباما استحق الشكر لقيامه بحماية مصالح إسرائيل الأمنية حسبما جاء في رسالة الشكر من نتنياهو! وهكذا تبقى ترسانة الأسلحة النووية الإسرائيلية في أمان.