تخلت «هيلاري كلينتون»، خلال الأسبوع الجاري، عن صمتها الرهيب الذي استمر نحو شهر كامل، متفادية خلاله الرد على الصحافة. وبعد خطاب حول الشركات الصغيرة في «سيدار رابيدز» بولاية «أيوا»، تلقت ستة أسئلة من الصحافيين الذين كانوا يتابعونها منذ أعلنت ترشحها للرئاسة في 12 أبريل الماضي. وليست ثمة مفاجئة في أن وسائل الإعلام لم تتبعها لمعرفة خطتها الخاصة بالشركات الصغيرة، وإنما وجدت نفسها تتفادى أسئلة حول رسائل بريدها الإلكتروني، ومؤسسة «كلينتون» ومتبرعيها، وتصويتها تأييداً لغزو العراق في عام 2003. بيد أن تلك اللحظة التي كان كفيلة بإرباك أي مرشح آخر، بدت لكلينتون مناسبة لاختبار مهاراتها التي صقلت في نيران عقود من العمل في السياسة. وقدمت مرشحة الرئاسة الأميركية تذكيراً بماضيها في المواقف الصعبة مثل فضيحة «وايت ووتر» و«مونيكا لوينسكي» و«معارك أخرى»، ولمحة حول استراتيجية حملتها المستقبلية: فهي ستواجه أي أسئلة غير مرغوب فيها بجدار من الصمت الرهيب طالما أمكن، وعندما لا يصبح ذلك ممكناً، ستواجه بإجابات مخصصة لجعل الموضوع يبدو مملاً، وتجعل السائلين يبدون كمتطفلين مقلقين. وفيما يلي كيف تعاملت مع سؤال حول الفضيحة المدوية الخاصة بالتبرعات المثيرة للجدل إلى مؤسسة «كلينتون»، حيث ردت قائلة: «إنني فخورة بالمؤسسة»، مضيفة: «سأترك الحكم في هذه المسألة للشعب الأميركي». وسؤالي الممل: هل هيلاري كلينتون تسخر منا أم من نفسها؟ وعلى أقل تقدير، هي لم تبلغ عن التبرعات التي حصلت عليها المؤسسة من حكومات أجنبية، كما وعدت الرئيس عندما أصبحت وزيرة للخارجية. وفي أسوأ الأحوال، حصلت المؤسسة على أموال من بعض شخصيات الظل التي تأمل أن تضع بصمة كلينتون على أعمال خطيرة. غير أن ردودها لها هدف إستراتيجي، ففي المرة التالية التي تُطرح فيها قضية مثيرة للجدل، يمكنها القول: أعترض لأن هذه أخبار قديمة، ودعونا نتحدث عن القضايا المهمة التي يكترث لها الشعب الأميركي. ويُفلح ذلك أيضاً، خصوصاً أن «الزوجان كلينتون» لديهما قدرة استثنائية على الازدهار في خضم الاضطرابات، التي تكون قاتلة ـ وقد شاهدا وشاهدنا معهما ـ ذلك من قبل. والحديث مرة أخرى عن «سيدني بلومينثال»، المستشار السابق في إدارة بيل كلينتون، الذي عاود الظهور كمؤلف لمذكرات حول ليبيا، ومررتها كلينتون إلى كبار مساعديها في وزارة الخارجية، باعتبار أن قراءتها ضرورة ملحة. والسؤال الآن: هو ما مدى ملاءمة هذا المستشار الآن؟ ولماذا يقدم ناشط سياسي مشورة حول السياسة في ليبيا؟ والإجابة هي أن هيلاري لعبت ببطاقة الولاء ولسان حالها يقول: «لدي كثير من الأصدقاء، وأعتقد أنه من المهم دائماً عندما تخوض معترك السياسة أن يكون لك أصدقاء قدامى، وأن تفهم ما يدور بذهنهم». وفي شهر مارس الماضي، انتظرت «هيلاري» ثمانية أيام للحديث عن «رسائل البريد المفقودة»، ثم رفضت تقديم أي توضيحات لمدة شهر. واتبعت بذلك القاعدة الأولى في «مملكة آل كلينتون»: وهي انتظار الموجة الأولى من الهجمات، ثم قول «لا شيء يستحق القلق بصوت خفيض كما لو أنك تتحدث إلى مجموعة أطفال». وهذا النموذج ابتكره زوجها عندما أنكر في بادئ الأمر فضيحة «مونيكا لوينسكي»، ثم ترك الساحة لأعدائه لمدة ستة أشهر، مانحاً إياهم الفرصة كي يدمروا أنفسهم. وبدلاً من أن يتقدم باستقالته بسبب فعلته، بدا خصومه منقسمين، وأصبح سحب الثقة منه أمر بعيد المنال. وكانت هناك توقعات بأن معدلات تأييد «هيلاري كلينتون» ستتراجع بعد أن علم الشعب بأن آلافاً من رسائل بريدها الإلكتروني أثناء عملها وزيرة للخارجية تم تدميرها. ولكن ذلك لم يحدث. مارجريت كارلسون ـ ـ ــ ــ محللة سياسية أميركية يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»