عندما كتبتُ هنا في 10 مايو 2003 مقالة «ألف ليله وليلة الجديدة»، لم أكن أتَوقع آلاف ليالي الحرب اللاحقة في العراق والمنطقة. كان الاحتلال في بدايته، والقتلى بالعشرات، والفضائح بملايين الدولارات، وبينها ما نقلتُه عن صحف بريطانية حول 13 مليون دفعتها «المخابرات المركزية الأميركية» لزعيم ديني شيعي لرص صفوف الشيعة المعتدلين حول واشنطن، لكنه اغتيل حالما وصل النجف. وكانت أول فضيحة أمنية مقاولة 48 مليون دولار مع شركة أجنبية لإنشاء قوةٍ شُرطيّة من ألف شخص، و«تعليم العراقيين احترام القانون والديمقراطية». وظهر أن عاملي الشركة كانوا متورطين خلال الحرب اليوغسلافية بأعمال تهريب، وبيع أسلحة، وتزوير جوازات، واختطاف فتيات. وقبل أن تبلغ نفقات الحرب والنهب والاختلاس التريليونات كانت أكبر فضيحة تتعلق بإنفاق «المخابرات الأميركية» 150 مليون دولار لإنشاء «حزب المؤتمر» لأحمد الجلبي المرشح آنذاك لحكم العراق. و«نحن عديدون»، عنوان الفيلم الذي يستعيد أحداث أكبر مظاهرات في التاريخ وقعت في 15 فبراير عام 2003. تعرض حالياً دور السينما البريطانية الفيلم، الذي شاركتُ فيه ومهندس أنظمة الكومبيوتر علي الأعسم، وأفراد من أسرتينا المغتربتين 30 مليون متظاهر في أكثر من 800 مدينة وبلدة حول العالم غزوا الشوارع احتجاجاً على غزو العراق. ويذّكرنا الفيلم بأن أحداث الرمادي الحالية بدأت آنذاك، وثورات «الربيع العربي» انطلقت من الفلوجة، ويستحضر أكاذيب أبرز المسؤولين عن الحرب؛ بوش، وبلير، وباول، ومواقف أبرز مناهضيها مثل توني بين، وكلير شورت، وزيرة التنمية الدولية في بريطانيا، التي استقالت احتجاجاً على الغزو. ويحدثنا الفيلم عن «لغز قوة الناس»، حسب «كريس ناينهام»، أحد منظمي المظاهرات المليونية. «وفكرتُ حين مررت بالمتظاهرين أنهم مجموعة مُغفّلين». كتب ذلك معلقاً في «الجارديان»، وأضاف: «لكن أعرف الآن أنهم كانوا مصيبين، وأنا المخطئ. فالتورط في أيّ صراع مع البلدان العربية جنون. لقد أطلقنا حرب المائة عام». وهذا ما يواجهه العراق والمنطقة اليوم، تكرار فظائع حرب المائة عام الأوروبية. وفي أميركا، تغادر صالة السينما غير مصدق ما شاهدته فتشاهده خارجها. فيلم «القناص»، الذي يروي قصة قناص أميركي في حرب العراق أقل إثارة من قنص سياسي يستهدف مواقف مرشحي الرئاسة الأميركية من غزو العراق. «هيلاري كلنتون» سلّمت صراحة بأن تصويتها لصالح الغزو كان خطأ، وحاول المرشح الجمهوري «ماركو روبيو» التملّص من إعطاء جواب صريح، فيما تلعثم منافسه «جيب بوش»، في الدفاع عن شقيقه الرئيس السابق، وفشل في الإجابة عن سؤال ما إذا كان سيشن الحرب على العراق، إذا علم بأن صدام حسين لم يكن يملك أسلحة الدمار الشامل، ولا علاقة له بـ«القاعدة»؟ و«لنفهم قصة العراق بشكل صحيح. أجل، كان الغزو من وجهة نظر قومية خطأ، لكنه كان أسوأ من ذلك، كان جريمة». كتب ذلك «بول كروجمان» الحاصل على «نوبل» للاقتصاد، وأضاف في مقالة عنوانها «أخطاء وأكاذيب» في «نيويورك تايمز»، أن طيّ صفحة حرب العراق غير صحيح، فهي ليست مجرد خطأ بريء، أو مغامرة اعتمدت على معلومات استخبارية مغلوطة، فـ«أميركا غزت العراق؛ لأن إدارة بوش أرادت حرباً، ولم تكن التبريرات العلنية للغزو سوى ذرائع مزيفة». واتهم «كروجمان» سياسيين وإعلاميين بالتواطؤ في الحرب، وخضوعهم لجو الترهيب الذي سبقها. «لكن الحقيقة مهمة ليس فقط لأنه مكتوب على مَن يرفض التعلم منها تكرارها، بل أيضاً لأن حملة الأكاذيب التي أخذتنا للحرب ليست بعيدة، وما يزال مهماً محاسبة الأشخاص المذنبين». وكأنّه الشاعر محمد مهدي الجواهري يقول قبل أكثر من نصف قرن: «سيُحاسَبون، فإن عرتهم سكتةٌ من خيفة فستنطقُ الآثامُ. سيُنكِّس المتذبذبون رقابَهم، حتى كأن رؤوسهم أقدامُ. هذي القُبور قنابرٌ مبثوثة لمكابرٍ وحَفيرُها ألغامُ». -------------------------------------- *مستشار في العلوم والتكنولوجيا