فجر سقوط مدينة الرمادي في قبضة تنظيم «داعش» وفرار قوات الجيش العراقي وقوات الأمن الحكومية من المدينة أزمة ظلت تتصاعد أسابيع قبل سقوط المدينة.. وقد صدرت بعض التعليقات والتحليلات عن قادة سابقين للمخابرات والقوات الأميركية شاركوا في المستنقع الأميركي في العراق منذ بداية الغزو والاحتلال الأميركي حول صدور ذلك القرار العجيب من الحاكم العام الأميركي «بريمر» بحل الجيش العراقي السابق وتنصيب حكومة محاصصة وما تبع ذلك من تأجيج الفتن الطائفية وتصاعد عمليات الانتقام التي كان ضحاياها آلاف المدنيين العراقيين. وسقوط الرمادي لم يكن مفاجأة لكثير من المراقبين والمهتمين بمأساة العراق، وقد تكرر القول إن القوات العراقية لن تقدر على إيقاف خطر «داعش» المتمدد من قرية إلى قرية ومدينة إلى مدينة إلى أن احتل الموصل وارتكب عمليات قتل وحرق وحشية. ولكن الأزمة التي تفجرت الأسبوع الماضي انتقلت من أزمة على شاشات التلفزيون بين متحاورين ليس من بينهم مسؤول أميركي من الإدارة الديمقراطية.. وفجأة خرج وزير الدفاع الأميركي الحالي «آشتون كارتر» بحديث إعلامي يبدو أنه كان يروم توجيه رسالة واضحة للحكومة العراقية، عن مستوى الجهود الأميركية العسكرية في العراق، فقد قال وزير الدفاع إن سقوط الرمادي هو نتيجة فرار القوات الحكومية «لأن القوات العراقية لا تملك إرادة حقيقية لقتال داعش، ولا ترغب في ذلك». والقول بأن القوات العراقية لم تكن لديها عدة وعدد للقتال غير دقيق، فالقوات العراقية كانت لحظة هجوم «داعش» على الرمادي تتفوق عدداً وعتاداً على مسلحي هذا التنظيم الإرهابي. ولكنها تركت عتادها غنيمة باردة لمسلحي «داعش» لأنها ببساطة لا تملك إرادة القتال الحقيقية، بحسب «كارتر»، وسيبقى الأمر كذلك إلى حين لديها الإرادة. وقال وزير الدفاع الأميركي أيضاً إننا نملك أن نوفر للقوات الحكومية العتاد الحربي المتطور، والتدريب الفني العالي، ولكننا لا نملك أن نجعلها تملك الإرادة! فذلك أمر لا يستطيع أحد أن يفعله سوى العراقيين أنفسهم. وتفجرت الأزمة في بغداد، فخرج رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي بتصريح قال فيه إن وزير الدفاع الأميركي قد تجنى على القوات العراقية المقاتلة. وأشاد بقوات وتعهد بأن القوات الحكومية ستستعيد الرمادي من «الدواعش». وقال العبادي أمام البرلمان إن «داعش» لن تتمكن من الوصول إلى بغداد. وقد بادر نائب الرئيس الأميركي بالاتصال تليفونياً برئيس الحكومة العراقية ليؤكد له أن الولايات المتحدة ستفي بالتزاماتها نحو العراق، وأشاد بتضحيات وبطولات العراق في هذه الحرب. وقد وصف اتصال نائب الرئيس الأميركي بالعبادي بأنه مبادرة دبلوماسية الهدف منها «صب الماء البارد على تصريح وزير الدفاع الأميركي». فهل انتهت تلك الأزمة الساخنة التي تفجرت بعد السقوط السهل للرمادي، وفرار القوات الحكومية منها؟ كثيرون يعتقدون أن سقوط الرمادي والتهديد الذي تواجهه بغداد قد فتح الباب لحديث جاد بين الأميركيين، والحكومة العراقية حول الأوضاع السيئة، وحول مستقبل العراق ذاته. فكثير من المسؤولين العسكريين السابقين، وبعض أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي، حذروا من أن الأوضاع العراقية تتجه إلى نهاية سيئة - سقوط العراق كله في الفوضى والتمزق والتقسيم غير المنظم- إذا استمر نهج السياسة العراقية والأميركية الحالية، وغض نظر الحكومتين عن جذور وأسباب هذه الأزمة الحادة التي تحيط بالعراق ومستقبله. والحال أن الوطن العربي كله من العراق إلى سوريا إلى اليمن إلى ليبيا إلى السودان يواجه مشرط التقسيم الذي لا يرحم.