ليس متوقعاً أن يحقق اللقاء الذي دعا السكرتير العام للأمم المتحدة إلى عقده في جنيف غداً شيئاً جديداً. فالقوى الانقلابية التي انتهكت الهدنة الإنسانية، وواصلت الاعتداءات والقتل خلالها، ستواصل مناوراتها لتفريغ مشاورات جنيف من أي مضمون. وهي التي أحبطت من قبل نتائج الحوار الوطني داخل اليمن، ثم أغلقت الطريق أمام استمراره وحاولت أن تحقق عبر السلاح ما لا تستطيع الحصول عليه من خلال السياسة. ولذلك فقد تعجل السيد «بان كي مون» الدعوة إلى هذا اللقاء بدون توفر مقومات نجاح ما أسماه مشاورات سياسية في جنيف الآن تحديداً، بخلاف الحال بالنسبة إلى المؤتمر الذي عُقد في الرياض الأسبوع الماضي «مؤتمر إنقاذ اليمن وبناء الدولة الاتحادية». فشتان بين مؤتمر الرياض الذي عقد وفق رؤية متكاملة، ولقاء جنيف الذي دعي إليه بلا تصور أو خطة واضحة. فقد كانت هناك ضرورة تاريخية لعقد هذا المؤتمر الذي قطع خطوة مهمة إلى الأمام. فقد تضمن «إعلان الرياض» الصادر عنه خلاصة مشروع سياسي متكامل في إطار استراتيجية توافقت عليها القوى السياسية والاجتماعية التي تمثل مكونات المجتمع كله، فيما عدا الانقلابيين الذين رفضوا المشاركة فيه، ووضعوا أنفسهم بالتالي خارج إطار الجماعة الوطنية اليمنية المتعددة الخلفيات والانتماءات والاتجاهات. وفي ظل توقع عدم إحراز تقدم في جنيف، يصبح ضرورياً أخذ خطوة جديدة إلى الأمام بناءً على هذا الإعلان الذي يُعد بمثابة «بوصلة» للتحرك في الفترة المقبلة بوصفه جامعاً القواسم المشتركة بين الأغلبية الساحقة من اليمنيين والقوى الممثلة لهم، ومستنداً على المبادرة الخليجية وآلية تنفيذها، ومخرجات الحوار الوطني الشامل، وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 وغيره من القرارات المتعلقة باليمن. ويُفترض منطقياً أن تكون الخطوة التالية هي وضع مسودة كاملة لدستور يمني جديد وفق الأسس المتضمنة في إعلان الرياض، وأهمها أربعة: الأول هو بناء الدولة المدنية الاتحادية في إطار الحفاظ على اليمن واستقراره. والثاني هو الالتزام بالشراكة والتوافق. وثالثها المساءلة والمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. ورابعها مواجهة العنف والإرهاب ومناهضة التعصب بجميع أشكاله الطائفية والمذهبية والسلالية، ونشر القيم الوطنية والقومية والإسلامية، وثقافة التسامح وقبول الآخر. فهذه المبادئ وغيرها مما جاء في «إعلان الرياض»، جنباً إلى جنب المبادئ الأساسية والتوجهات العامة الواردة في وثيقة إعادة بناء الدولة اليمنية على أساس اتحادي التي توصل إليها الحوار الوطني في 25 يناير 2014، تمثل قاعدة متينة لدستور جديد يحظى بتوافق واسع النطاق وبتأييد شعبي واسع. ولذلك يحسن الإسراع بتشكيل جمعية تأسيسية تضم ممثلين لمختلف القوى اليمنية التي شاركت في مؤتمر الرياض وأقرت الإعلان الصادر عنه لصوغ مسودة الدستور الجديد. وتنطوي هذه الخطوة على أهمية خاصة جداً في اللحظة الراهنة لسببين. أولهما الحاجة إلى إضفاء المشروعية على الصيغة الجديدة للدولة اليمنية الاتحادية بطريقة تحفز القوى الوطنية في مختلف المحافظات على مضاعفة جهودها في مواجهة الانقلابيين، وبصفة خاصة في محافظات الجنوب. أما السبب الثاني الذي قد يكون أكثر أهمية فهو إعادة تأكيد الشرعية اليمنية، وتحميل الأمم المتحدة مسؤوليتها الحقيقية في إنقاذ اليمن تطبيقاً لقرار مجلس الأمن 2216، وسابقه رقم 2041 الصادر في 26 فبراير 2014، لدعم نتائج الحوار الوطني الشامل بما فيها إعادة بناء الدولة على أساس اتحادي. فعندما توضع الصيغة النهائية لمسودة الدستور اليمني الجديد، يصبح على الأمم المتحدة أن تتولى مسؤوليتها في توفير الظروف اللازمة لإجراء استفتاء شعبي عليه تحت إشرافها في محافظات اليمن جميعها، وإيجاد المتطلبات الضرورية لتأمين عملية الاقتراع عن طريق قوة حفظ سلام دولية ستكون ملزمة بإرسالها حينئذ لأن القرار 2216 صادر تحت الفصل السابع. وهذا أحد الأدوار الجادة المطلوبة من الأمم المتحدة، وليس تنظيم لقاءات محكوم عليها بالإخفاق، وكأن دروس المؤتمرات المتعلقة بالأزمة السورية (في جنيف أيضاً) لا تجد من يستوعبها. وستكون الجماعة الحوثية في حالة إجراء الاستفتاء على الدستور أمام خيارين كل منهما أصعب من الآخر، فإما أن تقبل إجراء استفتاء يكشف مدى عزلتها ورفضها شعبياً، أو أن تقاومه وتخوض معركة ضد الأمم المتحدة فيزداد انكشافها أمام المجتمع الدولي. وأياً كان خيار الحوثيين في هذه الحالة، ستكون معركة الدستور جزءاً من العمل الكبير الذي يهدف إلى إنقاذ اليمن، بما ستؤدي إليه من انخراط المجتمع الدولي في هذا العمل الذي يساهم بدوره في إنقاذ المنطقة.