شهدت الأشهر الأخيرة تصاعداً دراماتيكياً في حدة الصراع بالشرق الأوسط الذي يكاد ينصب كله حول التوتر الجاري بين السُنة والشيعة في المنطقة والذي تغذيه بدورها الصراعات الإقليمية بين إيران والبلدان السُنية بقيادة السعودية، بحثاً عن النفوذ والقوة، فإيران ترعى شبكة وكلاء واسعة من «حزب الله» في لبنان والنظام العلوي في سوريا إلى الميلشيات الشيعية في العراق، وتحت مظلة التعاطف مع الشيعة توفر طهران الدعم المادي والعسكري لهم كما تبني المدارس والمستشفيات. وفي المقابل ترعى الدول السُنية، شبكتها الخاصة من الحلفاء سواء في سوريا، أو اليمن، بل إن الرياض ذهبت أبعد من ذلك عندما أرسلت قواتها إلى البحرين لحماية البلد الصغير من القلاقل التي بدت وكأنها على وشك أن تعصف باستقراره، ثم جاء التدخل في اليمن والحملة الجوية التي تقودها السعودية ضد المتمردين «الحوثيين» بعد انقلابهم على الشرعية. لكن مهما بدا هذا الصراع السياسي معاصراً وراهناً، إلا أنه في الحقيقة يرجع إلى قرون ماضية عندما امتزجت المصالح الجيوسياسية بالاعتبارات الدينية، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط، فخلال القرنين الثامن والتاسع عشر صدَّرت القوى العظمى نفسها على أنها حامية جماعات دينية بعينها بهدف تعزيز نفوذها وإثارة القلاقل والانقسامات في البلدان المنافسة، ولا يعني هذا أن التطورات الراهنة ليست خطيرة لأنها قديمة في التاريخ، بل فقط يتعين الرجوع إلى الماضي لفهم طبيعة وسيرورة أنظمة الرعاية تلك التي تحظى بها الجماعات الدينية في المنطقة، ولننظر في هذا السياق إلى إعلان روسيا القيصرية حمايتها للمسيحية الأرثوذوكسية، وهو المسعى الموجه بالأساس إلى خصمها الإمبراطورية العثمانية، فبعد الهزيمة التي لحقت الجيش العثماني بين 1768 و1774 سمحت معاهدة «كوتشوك كيندراجي» لروسيا بتمثل الأقلية الأرثوذوكسية في الأراضي العثمانية، ومع أن الاتفاقية منحت روسيا فقط حق بناء كنيسة أرثوذوكسية في القسطنطينية، وهو الأمر الذي لم يحدث قط، إلا أن روسيا استخدمتها كوسيلة للتدخل في شؤون السلطنة والنيل من سيادتها. وبالمثل ادعت فرنسا الإمبراطورية حمايتها للأقلية الكاثوليكية في المشرق العربي، لا سيما الموارنة في لبنان، وبحلول القرن التاسع عشر اعتُرف لفرنسا بحق التدخل للدفاع عن رعايا السلطان العثماني من المسيحيين، وهو ما فعلته في العام 1860 عندما أرسلت قواتها إلى المشرق لوقف المجازر الطائفية التي تعرض لها المسيحيون، بل حتى الإمبراطورية العثمانية نفسها مدت أكبر شبكة للرعاية في شمال أفريقيا خلال فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني خلال القرن التاسع عشر لحماية الإسلام ضد التدخل الفرنسي، وأحياناً يكون لرعاية الجماعات الدينية داخل دول أجنبية عواقب وخيمة مثل حرب القرم التي دارت بين روسيا من جهة والعثمانيين مع حلفائهم الفرنسيين والبريطانيين من جهة أخرى، حيث اندلع الصراع نتيجة محاولات روسيا مد نفوذها على المسيحيين الأرثوذوكس داخل الإمبراطورية العثمانية، ورغبتها أيضاً في الوصاية على الكنائس الأرثوذوكسية في الأراضي المقدسة. لكن هذه السياسات القائمة على استخدام الدين وتوظيفه لأغراض جيوسياسية ودواعي الصراع المصلحي بين الدول والقوى الإقليمية والدولية يُضعف نظام الدول- الأمة الذي أقامته معاهدة «ويستفيليا» المرتكزة أساساً على مبادئ السيادة ووحدة أراضي الدولة، وفي الوقت نفسه أدت هذه السياسات إلى ضرب الدولة وتغذية الانقسامات داخلها ما يقود في النهاية إلى اندلاع العنف والفوضى. لذا وفيما يتعين أخذ المحميات الدينية الناشئة في الشرق الأوسط بجدية، إلا أنه لا يتعين المبالغة في دور الروابط الطائفية العابرة للحدود، فبالنسبة للقوى الإقليمية في الشرق الأوسط لا تخدم هذه الرعاية الدينية لجماعات معينة سوى المصالح الدنيوية البعيدة عن الدين، وبرغم أن العديد من القوى السُنية والشيعية تلجأ إلى رعاتها الإقليميين طلباً للمساعدة لتأكدهم من سرعة الاستجابة، إلا أنه وعلى الأرض تملك العديد من الجماعات المرتهنة لطهران مصالحها الخاصة التي في كثير من الأحيان تفترق عن مصالح الرعاة الإقليميين، والحقيقة أنه لإضعاف المحميات الطائفية العابرة للحدود في الشرق الأوسط يجب أولا حل الصراعات الكامنة وراءها، فالوكلاء في المنطقة سواء كانوا شيعة، أو سنة، يجب استيعابهم في هياكل السلطة داخل الأنظمة الحاكمة، الأمر الذي من شأنه التخفيف من جاذبية الارتهان للخارج. ديفيد موتاديل أستاذ التاريخ بجامعة كامبردج ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»