عندما تم حجب نور فكر ومفكري المنهج اللاهوتي العقلاني وأصحاب الفكر المختلف وتزكية مراجع متشددة، وقعنا في مصيدة التدين اللفظي والمرجعي بدلاً من التدين السلوكي والعقلي والروحي وبرمجة عقول الآخرين أو تعميم وفرض الرأي والقناعات ومنح صلاحية سلب حقوق كل تفكير فردي غير تقليدي من أفراد المجتمع لبعض المشايخ في المجتمع باسم إجماع الأمة وجعله نصاً مقدساً، فتجلت تداعيات أصولية لاهوتية بغيضة، وأصبحت قيمة الحرية الفردية والمنطق والتفكير العلمي، أمور تتم الهيمنة عليها من عمومية الروح الجماعية المنقادة وقيمها الموروثة التي لم تخضع لمراجعة موضوعية حديثة وخاصة الدينية، فالحضارات تنمو وتزدهر ثم تختفي وتبقى بعض آثارها وأفكارها قائمة ضمن أشكال وقوالب جديدة مختلفة، وكشاهد عيان على العقل المتعطش لتحصيل المعرفة ومظاهر ومفاهيم التنوير المختلفة. وللتنوير بعد روحي فهو ليس بالضروة حركة تقدم، وقد يكون صراعاً فكرياً فلسفياً أو علمانياً رجعياً يُقصي الآخر، ويتحول لأصولية تنويرية ولا يترك مجالاً للخيال والمشاعر، ولا يستمع للرأي المخالف. الحضارات مرت في حركة تدافع وأخذ وعطاء والحضارة الحديثة هي أكثر الحضارات عالمية، كون البنى التقليدية للحضارات التقليدية انهارت تحت أقدام النموذج الغربي المعاصر، الذي بدأ يتحول لظاهرة وحضارة عالمية تدريجياً. وأصبحت معظم الحضارات غير الغربية مجرد ثقافات ولا عزاء للحضارة الإسلامية والعربية في ذلك السياق. فالتصورات المقيدة وعدم استفزاز العقل ليوقف أمام نفسه كفاعلية نقدية، والانغلاق النقدي وحماية حصون التأخر الحضاري بدلاً من إحياء الفضول التجريبي البحثي وفضيلة التعلم من أجل العلم، أدت إلى التغريب بوعي، ولاوعي كالإندماج مع قيم ومبادئ الثقافة الأميركية بصورة مخيفة مثلاً بين صفوف الكثير من الشباب المسلم، وهي قضية هوية ثقافية وإجتماعية وأخلاقية وطمس جوانب عديدة مهمة من التراث الذي يواكب التراث العقلاني والإنساني، والذي تم طمسه بدوره من قبل التيار الأصولي التقليدي في الداخل، وبالتالي هروب من الباب الكبير للنشأ نحو كل ما هو مختلف وممنوع دون مبرر مقنع لمنطقهم التحليلي، بل حتى الإرتماء في أحضان العنف المسلح لرفضهم لواقعهم ونفاق المجتمع من وجهة نظرهم. وهناك تضارب شديد بين قيمهم الخاصة وقيم مجتمعهم والقيم العالمية وأسلوب الحياة الذي يروق لهم. فنحن دائمو التحدث عن الحفاظ على الهوية وخاصة الإسلامية بدلاً من الخوض في مسألة تجديدها، دون أن نفقد أهم قواعد الهوية الأصلية التي تستطيع أن تتعايش مع ديناميكية التغير الطبيعية في المجتمعات الإنسانية، حيث إن الثقافة هي الوجه الآخر للدين، وتتطلب الخروج عن الدين معرفياً وليس روحياً وعقائدياً كضرورة عصرية. فلا نربط كل فعل بمفهوم أن الإنسان مُسير ضمن سيرورة الزمن والقدر كونه في الواقع يملك الاختيار المطلق ضمن رحلة القدر المكتوب عليه، وعلم الخالق بكل خياراته، ولكنه لم يجبره على إتخاذ القرار. فالله أكرم الإنسان بحرية الاختيار، وهو الإبتلاء الأكبر والفضيلة الكبرى في نفس المقام، فلماذا نخنع للماضي ويقف العرب اليوم على بوابة دخول المستقبل دون إذن دخول، ويغيبون عن حركة التاريخ والفعل الحضاري، إذا استثنينا أفراداً وفئات هنا وهناك وخاصة في المهجر. ففي المجتمعات التي تعاني حضارياً تجد الدين الشعبي والكاريزماتي والمتمرد، هو الدين الرسمي في عقول الشعوب، فأصبحنا نسمع عن عبارات الإسلام المصري أو العراقي على سبيل المثال وإعادة تدوير ثقافة، ومنطق «بي وحدي يصلح الوجود» و«بغيري يخرب» و«الصواب المطلق معي»، وتناقض مرضي بين المعتقدات والسلوك يعيشه الكثير في العالم الإسلامي وتقسيم البشر لسيد وما دون ذلك، وتحويل كرامة الإنسان لشعار وليس أكثر. فالأمة العربية تعيش في حالة لا توازن خطير، ولن تتحول لمنطقة سلام دائم واستقرار اجتماعي واقتصادي ومعرفي وثقافي وديني يقود للتوازن والنمو وتنهض من تحت الأنقاض كونها تحت رحمة عوامل مؤثرة خارجية فرضت عليها كرهاً وضمائر بيعت طوعاً. فالنهضة تعني أمة واعية مستقلة تتحكم في مواردها، ولديها وقت كافي للتفكير بمنحى عن أدلجة الدين. فتجد أي فيلم أو رسم مسيء للدين دافع رئيسي لتعبئة الشارع العربي، في حين لا تتم تعبئته جراء بِركة من الدماء في سوريا، ومثل هذه الممارسات تختزن في طياتها الشعوذة المفهومية الثقافية للدين وعلاقة البشر به في الشرق الأوسط، حتى انعدمت المسؤولية الشخصية إزاء البشرية. والنتيجة ما نراه اليوم في العالم العربي من تراجع على جميع الأصعدة، التي لا يشتريها أو يبنيها المال.