كيف يتخلق المثقف السياسي دون أن يلهث وراء السياسة أو يغرق في سياقاتها التي لم توح في تاريخها مع المثقفين أنها تعوضهم شيئاً يذكر إنْ كانوا مخلصين، أو حتى التعويض المادي المناسب لكرامة ما أعلنوه إنْ ضاعفوا الخدمات واللهاث، حتى أصبحنا نسمع عن مثقفين استخدمت النظم قيمتهم الأدبية دون سعي منهم، ومع ذلك، رأينا قادة يعرضون عن هؤلاء لمجرد رفض القيمة الإيجابية عندهم لهذا المثقف أو ذاك! رأينا ذلك في أفريقيا والوطن العربي مألوفاً، مما أدى بمثقفين إلى الاندفاع بدورهم لمواقف باتت أصغر من حجمهم، حيث يسعون للوقوف مع انفصال هذا الإقليم، أو حركات العنف في إقليم آخر، أو وراء زعامة كاريزمية سرعان ما تلقى بهم جانباً بعد انتهاء دورهم. وللأسف فقد كُتب على مجموعات من المثقفين المحترمين أن يصمدوا للعواصف المادية العامة، حينما صمم بعضهم على استمرار موقفهم الصلب، حيث لا مصدر لمساندة عملية، مادية أو لوجيستية، كما سأذكر بعد. وقد بدأ مسلسل ذكرياتي حينما فكرت في الكتابة عن مثقف وطني ديمقراطي مرموق مثل محمد مندور يحتفي بذكرى وفاته الخمسين هذه الأيام بعد نضال فكري، وتعليمي، وسياسي تجاوز فيه «الوفدية»، واليسارية، والناصرية، بشكل جدير بالتكريم الحقيقي كـ«مثقف سياسي» – إن جاز المسمى – بذل كل ذلك وترك تراثاً مكتوباً في غاية الثراء: يكفي منه مجلد من المقالات بالغة الأهمية صدر مؤخراً باسم «الخطاب السياسي ووعي الثورة»، وإنْ لم يترك ثراء ملحوظاً، أو تاريخاً من النياشين والمناصب. بالمثل كنت أتابع مع دار نشر محترمة، ثلاثة أعمال في مطابعها لسمير أمين كمثقف سياسي آخر، تسري أعماله في هشيم «التقليدية العربية» لـ«دفع مفاهيمها عن تاريخ اليسار الحديث»، وعن الاقتصاد السياسي العالمي، وعن التجارب الكبرى حولنا، والرجل ينتقل من داكار إلى باريس والقاهرة. وأنا وغيري من الزملاء نشفق عليه من جهد في هذا العمر– ونحن نكاد ننافسه! - لكنه لا يهدأ ليرى كتاباً له عن أزمة الزراعة في العالم، أو أزمة ثورة مايو/ يونيو في مصر، أو دلالة التطورات الروسية، أو تجديد باندونج، بعد النهوض الصيني الجديد...الخ ، بما يرى - ونحن معه – أن العالم العربي وأفريقيا لابد أن يضبطا إيقاعهما على هذه التطورات وإلا خسرنا الكثير. فإلى أي حد يرى الكثيرون في هذا نبضاً سياسياً خالصاً، أم قلقاً ثقافياً وفكرياً محفزاً، والرجل لا يلعب سياسة كما يقولون! أما الهم القريب الآخر، مع عالمي الأفريقي، فهو ما جرى الحديث بشأنه مع أصدقاء أو أطراف صاحبة اهتمام في مصر وخارج مصر، حول جمعية العلوم السياسية الأفريقية، وقد كانت شهيرة بين مثقفي القارة منذ منتصف السبعينيات حتى ذابت مع أوائل القرن في جمعيات عولمية للعلوم السياسية أو الاجتماعية. وأهمية ما تثيره هذه الذكرى أيضاً، أن الجمعية كانت منبراً فكرياً بارزاً في العمل الثقافي والعلمي، الأفريقي والعربي، بلورت فكراً سياسياً في دار السلام ولاجوس، وحضرت للقاهرة والرباط، وشاركت في تنظيم مؤتمر التعاون العربي الأفريقي في الشارقة عام 1976، بحضور علي مزروعي ومحمود ممداني وآرشي مافيجي، وغيرهم. وتولى أربعة من أبناء الشمال العربي الأفريقي رئاستها لفترات مختلفة، كما كان في رئاستها أو قيادتها من تولوا الوزارة في زيمبابوي، وأوغندا، وكينيا، ونيجيريا، وغيرهم أيضاً. ولكنها توقفت وانفرط عقد مسؤوليها لأسباب كثيرة، منها أن العمر مضى ببعضهم، أو عصفت النظم القائمة ببعض أعضائها، أو توقفت مصادر التمويل الأساسية! لكن يبدو لي أيضاً أن البعض قد أرهقته المواقف السياسية في بلاد لم تعد قابلة لتقدير المثقف السياسي، حتى ثورات «الربيع العربي» قبل أو بعد خريفها– لم تبرز معنى جديداً للمثقف ليكون مثقفاً سياسياً أو شخصية سياسية فحسب، لذلك ثمة سعى لإرجاع مثل هذا الكيان، كهيئة علمية تجمع مثقفين أفارقة وعرباً، وتضع علم السياسة في أفريقيا والعالم العربي في لقاء يمكن أن يبعث في عصر العولمة بأفكار مهمة، وجديدة، عمل لها سمير أمين، وعلي مزروعي، ومحمد عمر بشير، ويعمل لها الكثيرون ممن لا يجدون المظلة المناسبة. وهذا المقال دعوة للقائمين على العمل العربي الأفريقي في أنحاء الوطن العربي – قبل غيرهم - لدفع المسألة، ليس لمجرد معاونة جمعية مدنية في إطار «المجتمع المدني»، كما هو المتصور، ولكن لأن هذه الجماعة تحديداً كانت تقول الكثير، ويمكن أن تقدم الكثير للثقافة السياسية، وللمجتمع السياسي نفسه.