أثار مقال كتبته إحدى الكاتبات الخليجيات عن أشهر "العِدة" للأرملة الكثير من اللغط. وتحول الأمر إلى حرب وسجال بين أشخاص مصنفين ضمن فئات، أحدهم إسلامي متشدد، وآخر ليبرالي، وغيره، وهناك العديد من الألقاب والقوالب الجاهزة التي نلبسها لعقول الناس، كان مقالاً مسيئاً بالتأكيد، لأن فيه تجاوزات لفظية، ولم نشهد يوماً ما مثيلاً لكل هذا النقاش أو الجدل. ولا أعلم ما هي الفائدة التي جنتها الكاتبة التي تبدو أنها كتبت ذلك نكالاً في أشخاص بعينهم، وكأنها أرادت إثارة هذه الزوبعة لغرض في نفسها، والشاهد هو التأويل واستعداء الآخرين بدلاً من مواجهة أفكارهم، وتسويغ استخدام ألفاظ عنيفة مسيسة أو مهجنة. والحقيقة أن شيئاً لا يستحق كل هذا الانفعال مثلما لم يكن موضوع المقال مستحقاً للكتابة، فهي حرة في أن تلتزم بأشهر "العدة" أو لا. المسألة هي في نهاية الأمر حرية شخصية ولم يلزمها أحد بالسيف، فالعدة حالها حال أي التزام ديني أو عبادة تكون بين الإنسان وربه. ولكن الأمر أعمق من قضية "العدة"، فالمسألة في واقع الأمر، أشبه بمن يحدد للآخر مساراته وطرق تفكيره ومحاصرته باتهامات جاهزة لا تدع لأي كان فرصة الحديث والتفكير دون حواجز. فكون أن نمارس ضد الآخرين تصنيفاً، فإننا نختزل هذا الإنسان في الأفكار المناهضة لأفكارنا، غافلين عن كونه في النهاية آدمياً قابلاً للتغير وللحوار والتوجيه. وليس لنا أن نتحكم في اتجاه الرياح ولا حتى في اتجاه السفن. وعلينا أن نفهم أن احترام الآخر لا يتجزأ وليس مرهوناً بأفكاره أو عقيدته. فهل سمعتم عن تصنيفات لدى الغرب يقصدون بها غيرهم، أو يجعلون لهم قوالب جاهزة عليهم أن يرتدوها إرضاءً لغيرهم؟ ما نفعله اليوم في مجتمعنا هو تقطيع لأوصال الحرية الفكرية وتحويلها إلى أسلوب عنيف، فالتصنيف ليس بالضرورة حزاماً ناسفاً إنه نسف لأفكار غيرنا ومصادرة مساحة حريتهم يتجولون فيها كما يشاءون. فالحرية ليست أن تدعى أنك ليبرالي أو إسلامي أو إشتراكي، إنها حرية تقدير حرية غيرك، واستيعاب أن الحوار هو الحل دائماً في إشكالات فكرية، وأن الإنسان على الدوام عُرضة للتغيير في أي اتجاه شاء. وما كان تقدم المجتمعات إلا عندما احترموا آراء غيرهم. فلا أجمل من أن نكون أحراراً قولاً وقناعة وفعلاً، فالحُرّ هو وحده الذي يفهم معنى حريته ويقدر تمام التقدير حرية غيره، ويتعلم أن التصنيف حالة إعدام وعنف تؤدي فقط إلى مزيد من التصدعات الاجتماعية والفكرية.