لماذا أضاعت الولايات المتحدة والحكومة العراقية عاماً كاملاً من دون إحراز تقدم يُذكر في تأهيل الجيش لخوض معارك تحرير المناطق التي يسيطر عليها تنظيم «داعش»؟ فمنذ الرابع من يوليو 2014 كان رئيس الأركان الأميركي «مارتن ديمبسي يعلن أن الجيش العراقي لا يستطيع القيام بهجمات لاستعادة ما فقده من أرض، وأن الحاجة ماسة إلى إعادة هيكلته وتأهيله وتدريبه. كانت مضت أسابيع ثلاثة على اجتياح «داعش» للموصل وتوسّعه السريع شرقاً داخل العراق في المحافظات السُنية وغرباً داخل سوريا في محافظتي الرقّة ودير الزور، بعد هروب العسكريين من مواقعهم ووقوع المئات منهم في مصيدة القتل. ومنذ أوائل أكتوبر 2014، بعد شهر على إعلان ولادة «التحالف الدولي ضد الإرهاب» كان الجنرال ديمبسي يحض على «تسليح العشائر» السنّية وإشراكها في محاربة «داعش»، بل يضع ذلك في أولويات التحضير للحرب، جنباً إلى جنب مع «الحكومة الجامعة واسعة التمثيل» و«تأهيل الجيش»، لكن الواضح أن تنظيم «داعش» هو وحده الذي استفاد من الشروط الأميركية، إذ عمد إلى تصفية مئات من أبناء العشائر على دفعات، حتى يمكن القول وفقاً للأرقام المعروفة إنه قتل نحو ألفين منهم، بدافع الشك والتحوّط، ومن دون أن يكونوا تسلّحوا أو دخلوا في قتال ضدّه. والمفارقة أنه بعد أيام على تصريحات رئيس الأركان الأميركي كان هناك نص جاهز بعنوان «قانون الحرس الوطني»، الذي أمضت الحكومة ثلاثة أشهر حتى أقرّته وشهراً إضافياً لإحالته على مجلس النواب ليدخل في دهاليز لجنة الأمن التي فرغت قبل أيام من القراءة الثانية له، ويفترض أن يحال الآن لمناقشة عامة قبل التصويت عليه. وتبيّن أن هذا القانون أعد بهدف تشريع ميليشيات «الحشد الشعبي»، التي أسستها إيران وسلّحتها ودرّبتها، وذلك بضمّها إلى «الحرس الوطني»، الذي يفترض أن يتشكل بموجب حصتين طائفيتين غير متكافئتين. بل تبيّن أيضاً أن التسويف والمماطلة كانا متعمَّدين للوصول إلى المواعيد المحددة لـ «معارك التحرير» بحيث لا تكون جهوزية إلا لـ «الحشد»، أما العشائر وأبناؤها فليس أمامهم سوى الانتظار، بل إن «قانون الحرس» استغل لتمرير «قانون المساءلة والعدالة» كوريث لقانون «اجتثاث البعث» سيئ السمعة لأن الحكومة السابقة استخدمته للابتزاز وشراء الولاءات وتصفية الخصوم السياسيين. كان مقدّراً لهذا القانون أن يساعد في تفعيل «المصالحة الوطنية»، لكن التعديلات التي أدخلت عليه لا تحل المشاكل التي أنتجها «الاجتثاث»، لذا يشعر حتى الوزراء السُنة في حكومة حيدر العبادي بخيبة أمل، إذ أنهم اضطروا لقبوله في ما يشبه صفقة تؤدي إلى تسريع «قانون الحرس» الذي لم يقرّ بعد، حتى مع التطوّرات الجديدة في الرمادي. لكن رئيس الوزراء راح، منذ منتصف أبريل الماضي، يردد أنه لا توجد ميليشيات في العراق، وأن «الحشد الشعبي» له «غطاء قانوني وتنفيذي»، كانت واشنطن طلبت من العبادي تحجيم دور «الحشد»، وربطت مساعدتها الجوية في تكريت وفي ما سيعقبها من معارك بعدم إشراك هذه الميليشيا في القتال. لكن لا العبادي ولا سواه يملك تحجيمها، الذي يساوي عملياً تحجيم نفوذ إيران ودورها في العراق. في ذلك الوقت انتقد العبادي النزوح من الأنبار، قائلاً إنه «تحريضي» و«غير مبرر»، وكان يعني أن النزوح مفتعل للضغط عليه في مسألة التسليح، ولكن لماذا يستجرّ الضغط ولا يبادر؟ لأن إيران رفضت تسليح العشائر وقررت أن تحرير المناطق السُنّية يجب أن يتم من خلال الميليشيات الشيعية. بعد أسابيع قليلة كان على حكومة بغداد، وهي في وسط تحدٍّ مع واشنطن حول تسليح أميركي مباشر للعشائر وللأكراد، أن تواجه نزوحاً آخر غير مبرر، لأن جنوداً هم الذين فرّوا مجدداً أمام هجمات «داعش». وهكذا انكشف في بضعة أيام عقم الجدل «البابلي» الذي بلبل ألسنة أهل الحكم فحال دون بناء استراتيجية واضحة لضرب الإرهابيين. إذاً، عودة إلى نقطة البداية، كما لو أن العام الذي مضى كان فسحة لـ «داعش» كي يرتّب صفوفه، وفيما كان الجميع يتوقع نهايته في العراق خلال هذا الصيف إذا به يتوسّع في العراق كما في سوريا. وإذا بالرئيس الأميركي يعترف بالخلل في الاستراتيجية، لكنه يكرر «ألم نقل سابقاً أن هذه الحرب ستستغرق سنوات؟». ها هو قد كسب مزيداً من الوقت، وكذلك «داعش»، كذلك إيران، والخاسرون جميع العراقيين والسوريين، بل جميع العرب.