لقي مقالنا الأسبوع الماضي في الاتحاد «كامب ديفيد.. تطمينات بلا ضمانات» تغطية ومتابعة واسعة في وسائل الإعلام العربي من فضائيات ومواقع إخبارية أعادت نشره، وقد وصلني مقالي المكتوب واستمتعتُ إليه يُقرأ في تسجيل صوتي في أحد المواقع الإخبارية.. وهذا يدلل على أن هناك متابعة ورصداً واسعين لما نكتبه مع الزملاء في صفحات «وجهات نظر»، ما يعكس القيمة المهمة التي تقدمها «الاتحاد» للقارئ العربي. وقد أكدت في المقال أن «قمة كامب ديفيد حتى لو كانت قد تأخرت كانت خطوة في الاتجاه الصحيح. ويجب استثمارها والبناء عليها، وترقية العلاقة مع السعودية والإمارات وقطر وعُمان إلى حلفاء رئيسيين من خارج حلف الناتو». وأكدت أنها «في المجمل، كانت قمة ترضية وتوازنات، وهي أفضل الممكن في ظل الظروف والمعطيات وتفاوت قدرات وإمكانيات الطرفين، وفي ضوء عقيدة أوباما "الصبر الاستراتيجي"، ولذلك خرجت قمة كامب ديفيد بتطيمنات وليس ضمانات، وبتعهدات وليس بمعاهدات». والحال أننا خرجنا من قمة كامب ديفيد متأكدين بأن علينا أن نكون واقعيين، وأننا لم نحصل على ما ذهبنا من أجله. ومن ثم فإن علينا العمل على مسارين، تقوية قدراتنا العسكرية والاستراتيجية الذاتية، والتعويل أكثر على قدراتنا، وأقل على الطرف الأميركي -الذي لم يبدِ اهتماماً بترقية العلاقة الاستراتيجية لمستوى حليفيه اليابان وكوريا الجنوبية- ولم يبد أيضاً اهتماماً بإلزام نفسه قانونياً ودستورياً بالدفاع عن شركائه الخليجيين أكثر من التعهد شفهياً على لسان الرئيس نفسه حين أشار إلى «التزام فولاذي في الدفاع عن شركائنا». ومنذ القمة قدم الرئيس أوباما مقاربة وكشف بعض ما دار فيها في مقابلة مهمة مع «غولدبرغ» مراسل «ذي أتلانتك» وفي كنيس يهودي في واشنطن الأسبوع الماضي. ويبدو أن اتفاق أفضل الممكن بين الطرفين الأميركي والخليجي، سيعزز من أمن دول المنطقة نسبياً، ويسعى لتأسيس نظام دفاع مشترك ودرع صاروخي، ونظام إنذار مبكر، وتدريبات ومناورات مشتركة، وصفقات أسلحة، وتنسيق أمني استخباراتي وعسكري بين الطرفين. وسيشمل في المستقبل أيضاً الارتقاء بالعلاقة الاستراتيجية مع الدول الخليجية التي لا تتمتع بوضعية «حليف رئيسي للولايات المتحدة من خارج حلف الناتو» وهي السعودية والإمارات وقطر وعُمان. كما هي الوضعية منذ أكثر من عقد مع الكويت والبحرين. وهو ما يمنح الدول المزيد من التنسيق وأحقية تسلم أسلحة متطورة مع امتيازات تدريب وتأهيل وتنسيق أمني وعسكري وحتى مساعدات مالية وعسكرية. ولكن في حالة دول مجلس التعاون الخليجي لن تكون هناك مساعدات مالية أميركية لشراء صفقات أسلحة. ووضعية «حليف رئيسي من خارج حلف الناتو» تُعد هي أرفع أنواع العلاقات بين الولايات المتحدة والدول الحليفة لها من خارج الحلف الأطلسي، وتشمل هذه الدول 15 دولة حول العالم: منها دول عربية -الكويت والبحرين ومصر والأردن، وتونس منذ أيام. ومن أواخر الدول التي منحت هذه الصفة أفغانستان من قبل أوباما. وهناك إسرائيل واليابان وكوريا الجنوبية وباكستان وأستراليا ونيوزيلندا والأرجنتين وتايلاند. وقد كرر أوباما في مناسبتين بعد قمة كامب ديفيد مواقفه لطمأنة المشككين من الاتفاق النووي النهائي مع إيران، بتأكيده أن الاتفاق الذي سيوقع في نهاية شهر يونيو القادم هو أفضل الممكن، وأنه سيحمل اسم أوباما وسيضمن تجميد برنامج إيران النووي (وليس إنهاءه). وفي المقابلة مع «ذي أتلانتك» أكد أوباما أنه قد طمأن القادة الخليجيين بأن وضعهم سيكون أفضل بالاعتماد على الدعم والغطاء الأميركي بدلاً من الانخراط في برامج نووية لموازنة إيران. و«أن الحماية التي نقدمها كشركاء لهم أفضل في مجال ردع إيران من أي برنامج للطاقة النووية يمكنه أن يحقق عامل الردع». وأن أي سعي للانخراط في برنامج نووي سري سيعقّد العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية. وكذلك كان لدى القادة الخليجيين تشكيك مشروع في برنامج إيران النووي، وتداعيات رفع العقوبات وتدفق الأموال على طهران، وكيفية استخدام تلك الأموال. ولا يعتقد أوباما أن تلك الأموال ستذهب بالضرورة لخدمة مشروع إيران ودعم حلفائها في المنطقة. وفي هذه الجزئية لم يكن أوباما موفقاً أو مقنعاً بأن تلك الأموال التي قد تصل إلى 150 مليار دولار -بعد رفع العقوبات عن الأرصدة الإيرانية المجمدة واستئناف إيران تصدير 3 ملايين برميل نفط يومياً بدلاً من مليون، وتطوير منشآتها النفطية- لن يذهب جزء منها لخدمة المشروع الإيراني وحلفائه في المنطقة. وهو ما سيقوي قدرات إيران ويعيد الثقة في النفس ومن ثم احتمال إظهار المزيد من التحدي والرغبة في المواجهة. وقد بدا أوباما في محاولته التقليل من شأن تأثير تدفق الأموال على إيران، بعد التوقيع على الاتفاق النهائي، رغائبياً أكثر من كونه واقعياً. وبالنظر لتردي الأوضاع قبل وبعد قمة كامب ديفيد وتمدد «داعش» وظهور أفرع جديدة له، فذلك كله يتطلب من دول المجلس، التي تحارب «داعش» في سوريا والحوثيين في اليمن، تغييراً جذرياً في طرق الاستراتيجية والمواجهة. وواضح أن الثوابت السابقة لم تعد كفيلة بالتصدي لهذه المتغيرات السريعة والخطيرة ومواجهتها. وقد أصبحنا اليوم في قلب العاصفة، وهذا يحتم علينا تغييراً في النهج والمقاربة والتحالفات القديمة.. وللحديث صلة.