منذ أكثر من تسعة شهور والتحالف الدولي يشن ضرباته الجوية على ما يعرف بـ«داعش»، وكانت كل التوقعات منذ بداية الحرب، بأن أمدها سيطول، واليوم نشاهد على أرض الواقع تمدد التنظيم وسيطرته على أكثر من نصف مساحة سوريا وما يقارب من ثلث العراق. وتحولت «داعش» إلى لغز يفرض وجوده الجغرافي ويشكل خريطته للدولة الإسلامية كما يدعي أو دولة الخلافة المنشوده من بعض التنظيمات الإسلامية التي ترى في قيام الخلافة نهاية للتخلف والتراجع وبداية للنهضة الإسلامية. لا نود الخوض في تفاصيل مملة، وثمة من يُجمع على أن ما يحدث هو إعادة لتقسيم الخريطة السياسية بمباركة دولية. ويقول محلل الاستراتيجيات الأميركي «لاري شين» في بحثه بعنوان «إعادة رسم الخريطة» بقوله «حقيقة الأمر أن ما تغرق فيه المنطقة عملية ضخمة مهولة تهدف إلى إشاعة الفوضى وعدم الاستقرار، وتعمد إشعال العنف الطائفي عبر الحدود. وكل هذا يهدف إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط. فالحقيقة باتت واضحة بصرف النظر عن الفاعلين، وما يلفت الانتباه بطء التحرك العربي والإسلامي المتجسد في مراهناته التقليدية. لعل الخطورة ظهرت لنا في ما يحدث في اليمن الواقعة في قلب الجزيرة العربية، مما يعني خلخلة الإقليم الخليجي وجره إلى حروب مهلكة تهدف إلى استنزاف قواه. حرب التحالف العربي التي تقودها المملكة العربية السعودية لم تكن خياراً سعودياً لكون المملكة من الدول التي تسير دائماً بسياساتها نحو السلم وصالح حال المسلمين، إلا أنها أُجبرت على دخول هذه الحرب بعد أن حل الخراب والدمار على يد "الحوثيين". وبصرف النظر عما تؤول إليه هذه الحرب، إلا أننا نتطلع إلى نظام عربي جديد قد تكون هذه الحرب التي تقودها المملكة خطوة عقلانية نحو تشكيله، بحيث يعيق مخطط تقسيم المنطقة العربية وإدخالها في أتون حروب مذهبية وعرقية. وإذا كانت المملكة العربية السعودية تقود التحالف العربي بتوافق خليجي يقوده مجلس التعاون، وبدعم مصري ومغربي وأردني. فالضرورة تحتم على صياغة أساسيات جديدة لنظام عربي يوفر الضمانات المستقبلية لحماية المنطقة من اهتزازات كبيرة تخل بموازين القوى التي تعارفت عليها المنطقة العربية. وخصوصاً أن بعض حركات الإسلام السياسي ضالعة في مخطط إعادة تقسيم المنطقة.. وهذا ما يذكرنا بالخطوات الجريئة التي اتخذتها دولة الإمارات العربية المتحدة حيال هذه الحركات التي كانت تنوي السوء للإقليم الخليجي، ومن ثم أي خلافات فرعية يجب التغلب عليها لكون الخطر أكبر مما نعتقد. أما العلاقة الإيرانية العربية، فهي تتجه نحو مزيد من التباعد. فبالرغم من المطالبات الخليجية الساعية للاستقرار، فإن تصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين، مثيرة للقلق، والتي تعبر عن نوايا توسعية تتجاوز ما هو ديني، وتُدخل المنطقة في مزيد من الصراعات المميتة. ونتمنى أن تترفع إيران عن الصراعات المذهبية، لكون هذا الصراع مكلفا لنا جميعاً. وفي هذا السياق علينا أن نؤكد مبدأ المكاشفة بيننا، وخصوصاً فكرة المقاومة التي تقودها إيران كما تدعي. فهي مقاومة مهمتها زعزعة أمن المنطقة عبر الفتن المذهبية. وعلينا أن نؤكد أهمية فكرة المواطنة الحاضنة لنا جميعاً بصرف النظر عن اختلاف عقائدنا المذهبية ويدرك الجميع أن التطرف سواء كان سنياً أو شيعياً، فنهايته مزيد من التقسيم والدمار.