تدعو الأمم المتحدة اليمنيين إلى جنيف للتفاوض على حل سياسي. وقد يخطر بالبال أن الحوثيين والعفّاشيين (فريق «صالح») سيستجيبون ويرحّبون، لأن في ذلك خلاصاً من الاجتماع بالرياض خلال الأسابيع الحالية على الأقل، ولأن الحكومة اليمنية الشرعية لا تبدو مسرورةً بالجلوس إلى طاولة المفاوضات دونما أي تنفيذ لقرار مجلس الأمن رقم 2216. أما الواقع، فهو أن الحوثيين صمتوا والإيرانيين عارضوا باسمهم الذهاب إلى جنيف! الحوثيون والعفّاشيون في مأزق رغم أنهم لا يزالون يقاتلون في أنحاء اليمن، ولهذا السبب فهم يقاتلون في مواجهة: طيران التحالف ومدفعيته وحصاره البحري والبري والجوي، وفي مواجهة عشرين مليون يمني. فحتى ذمار الزيدية هي ضدّهم. طبعاً لا يحمل معظم معارضي الحوثي السلاح، لكن أحداً ليس مستعداً للخضوع مجدداً لعفّاش، ولا لتنظيم الحوثي المسلَّح. لذلك فانتشارهم الشاسع ينقلب الآن لغير صالحهم. فخلال أسبوعين أو ثلاثة سيتطهر جنوب اليمن منهم. لقد كان قَدَرُ عدن أن تقاتل من أجل الحرية والتحرير ثلاث مرات، مرة من البريطانيين، ومرة من عفّاش عام 1994، والثالثة هذه الأيام. بيد أن الأخطر عليهم أنّ موطنهم الأصلي (صعدة) يتعرض لأخطار المقاومة لجهة محافظة الجوف. فالذي لا يعرفه المراقبون جيداً أن الحوثيين وعلى وقْع تمددهم باتجاه عَمران فصنعاء، كانوا يتمددون بالتوازي باتجاه الجوف على حدود السعودية، وفي تلك المحافظة أقلية زيدية قوية، انضمّ بعض شبانها للحوثيين. قبائل الجوف حرّرت المحافظة، على أثر تشتيت قوات صالح، ودخلت إلى محافظة صعدة. وقد كنا نحسب أنّ نقل المراكز الحوثية من صعدة للتهرب من طيران التحالف، فإذا هناك سبب آخر إضافي، هو أنّ قبائل الجوف تضرب هذه المراكز أيضاً! هل يدرك الحوثيون والعفاشيون المصير المحتوم الذي يتهددهم؟ جماعة صالح تدرك ذلك، إنما لا خيار آخر لديها لأنّ ظهرها إلى الحائط، ومصيرها مربوط بمصير صالح وأولاده. وعند الحوثيين إدراك لمخاطر انتشارهم، وعدم إمكانهم السيطرة على اليمن ولو بمساعدة صالح وإيران. لكن إصرارهم، وحتى إصرار الإيرانيين وصالح، له سببٌ آخر! لا علاقة لصمود صالح والحوثيين والإيرانيين و«حزب الله» بالقدرات العسكرية، أو بالعقائديات والمبدئيات، بل بالتجارب السابقة. فأنصار سليماني و«حزب الله» والحوثي يقولون فيما بينهم: انظروا أين كنا وكيف صرنا. نحن الآن في أفغانستان والعراق وسوريا ولبنان واليمن، ووجودنا في غزة والسودان مقبول. ووضعُنا حسنٌ في آسيا الوسطى والقوقاز وأحسن في الهند والصين! فلماذا كان هذا النجاح؟ لأننا أصررنا على مطالبنا وقاتلنا وخسرنا القتلى. صحيح أن البلدان المذكورة ما انتظمت حالتنا فيها تماماً بعد، لكن المكاسب في العراق وسوريا ولبنان واليمن هي أكبر كثيراً من الخسائر حتى الآن. ففي لبنان يسودون منذ عام 2008، وفي العراق منذ عام 2005، وفي سوريا منذ ثلاث سنوات، وفي اليمن منذ حوالى العام. وسببُ السواد القدرة على المطاولة والمجاذبة، وأخذ متر في مقابل الشِبْر، ثم كيلو متر في مقابل المتر. بمعنى أن الخصوم هم الذين سيتعبون فيتنازلون أو ينسحبون. ويظلُّ المشهد مضبوطاً خلال فترة التجاذُب القاسية، لأنّ روسيا معهم، ونصْف الشخصية الأميركية. روسيا بسبب خصوماتها مع الولايات المتحدة، وتقدير بوتين أنها يمكن أن تكسب في سوريا ومصر والعراق واليمن.. والولايات المتحدة، لأنّ أوباما يعتقد أنه لابد من إنهاء المشكلة النووية مع إيران، وإصلاح العلاقات الإيرانية الأميركية بأي ثمن! إنّ عامل درس الماضي القريب والاعتبار به إيجاباً هو الذي يدفع سائر ميليشيات إيران للإصرار على متابعة المكاسب، شأن لاعب القمار: إما كل شيء أو لا شيء. وفي ظنهم أن عاصفة الحزم ستكون قصيرة النفَس، وإن لم يربحوا فلن يخسروا، وحسبهم أنهم جرّبوا السيطرة على اليمن بعد سوريا والعراق.. فيا للعرب!