تنتشر في المشرق العربي، ولكنْ أيضاً في ليبيا إلى الغرب واليمن إلى الجنوب، مناخات من الإحباط ناجمة عن التنازع الأهلي والاحترابات التي قد تفضي إلى إعادة النظر في الخرائط وأشكال الاجتماع القائمة. ولكنْ قريباً من منطقة المشرق، وفي جزيرة قبرص تحديداً، تنتشر مناخات مختلفة تماماً يسودها الأمل والتفاؤل. هكذا تتكاثر الأصوات التي تتوقّع للجزيرة القبرصيّة أن تباشر الانتقال من تجزئة الأمر الواقع التي تعيشها منذ أواسط السبعينيات إلى استعادة الوحدة. فقبل أقل من أسبوعين، وبحسب ما أوردت الأخبار، حصل ما يلي: - اختتم أول اجتماع بين زعيمي القبارصة اليونانيين والأتراك بعد سبعة أشهر من القطيعة، باتفاق على إجراءات تعزز تسريع المفاوضات لإعادة توحيد الجزيرة، بعد انتخاب مصطفى أكينجي في 26 أبريل الماضي، زعيماً للشطر الشمالي التركي. وجدير بالذكر أن القبارصة اليونانيين كانوا قد انسحبوا من آخر محادثات في أكتوبر الماضي، احتجاجاً على إرسال تركيا سفينة مسح جيوفيزيائي إلى مياههم الإقليمية. - اتفق زعيم القبارصة الأتراك مع الرئيس القبرصي اليوناني نيكوس أناستاسياديس على إجراءات لبناء الثقة، خلال الاجتماع الذي عقد في مجمع الأمم المتحدة في المنطقة العازلة في مطار نيقوسيا القديم. - أعلن وسيط الأمم المتحدة «إسبن بارث إيدي» عقب الاجتماع أن الإجراءات إنما شملت إعفاء القبارصة اليونانيين من ملء استمارات الدخول إلى شمال قبرص، إضافة إلى اتفاق الزعيمين على الاجتماع مرتين شهرياً على الأقل، لتكثيف تبادل وجهات النظر حول السبل المؤدية إلى توحيد الجزيرة. ومن شأن التخلي عن الاستمارات تسهيل التنقل بين الشطرين، كما أنه يحمل مغزى سياسياً مهماً، في وقت يُسجل عبور الآلاف يومياً من خلال سبع نقاط تفتيش على امتداد المنطقة العازلة في الجزيرة. - قدم الرئيس القبرصي اليوناني إلى نظيره الشمالي إحداثيات حول أماكن وجود حقول الألغام الأرضية التي زرعها القبارصة اليونانيون عشية التقسيم عام 1974 والتي تقع حالياً في أراضي القبارصة الأتراك. - لقيت التطورات أعلاه ترحيباً إقليمياً وعالمياً، فقد أعربت كل من أنقرة وأثينا عن أملهما في أن يكون 2015 عام لمّ الشمل القبرصي، فيما رحبت واشنطن بالمحادثات الجديدة وجددت «الرغبة في تقديم المساعدة لهذه العملية بأية طريقة يعتبرها الطرفان مفيدة». واقع الحال أن الأمم المتحدة سبق أن عرضت مبادرات سلام عدة كان الفشل نصيبها كلها، خصوصاً أبرزها، أي خطة كوفي أنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، التي وافق عليها القبارصة الأتراك ورفضها القبارصة اليونانيون في 2004. إلا أن انتخاب «أكينجي» عدّل الأجواء والاستعدادات على ما يبدو. بيد أن النظر إلى هذه الخطوة الأخيرة لا يكتسب كامل معناه إلا بالرجوع إلى تحولات بطيئة كانت تشق طريقها في العتم عاماً بعد عام وعقداً بعد عقد. في هذا المعنى فإن القبارصة، اليونانيين منهم كما الأتراك، باتوا مع الزمن يمتلكون الكثير من الأسباب التي تمنح الدعوة إلى استعادة الوحدة القبرصية شعبيةً واسعة. ولا بأس هنا بالرجوع قليلاً إلى الوراء. ففي الأساس، ومنذ الاستقلال عن بريطانيا في 1960، كان التنازع حول الهوية ضارياً بين أكثرية يونانية مسيحية ترى أن قبرص امتداد لليونان وأقلية تركية مسلمة ترى في الجزيرة امتداداً لتركيا، ما أضعف لدى الطرفين الانتماء إلى وطنيّة قبرصية مستقلة. وفي 1974 انفجر الصراع وحل التقسيم، وحلت أعمال تهجير متبادل فأجبر 200 ألف قبرصي يوناني على النزوح إلى الجنوب، مقابل 45 ألف قبرصي تركي أجبروا على النزوح إلى الشمال. وقد مهدت تلك التطورات لإعلان جمهورية قبرص التركية برئاسة رؤوف دنكتاش، الذي رفع شعار «التقسيم أو الموت»، وهي الجمهورية التي بقيت معزولة ولم تعترف بها إلا تركيا. هكذا نشأ تعبير «قبرصة» للتدليل على اتجاهات التقسيم داخل بلد واحد، قبل أن تظهر مصطلحات مشابهة في المعنى، ك«اللبننة» أو «الصوملة» ومن ثم «العرقنة». لكن الأمور راحت تتغير، وجعلت تنشأ أسباب تحضّ على إعادة الاعتبار لوطنية قبرصية ما. فبحسب كُتّاب غربيين تابعوا أوضاع قبرص، أحس يونانيو الجزيرة، منذ غزو 1974، بالمرارة حيال تخلي اليونان عنهم. وهكذا ظهر بينهم، كردة فعل، من يتهم اليونان بممارسة هيمنة عليهم، وترافق ذلك مع احتفال واسع وغير مسبوق بعيد استقلال الجزيرة كما بتدريس تاريخها وأدبها على نحو منفصل عن التاريخ والأدب اليونانيين. أما القبارصة الأتراك، بمن فيهم بعض من تحمسوا للتقسيم، فبدأوا يحسون حيال تركيا بنفس المرارة التي انتابت القبارصة اليونانيين حيال اليونان. ذاك أن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في الجزء الشمالي من الجزيرة، حيث يقيمون، تدهورت تدهوراً فظيعاً في ظل الوجود العسكري التركي. ومع أن مناطقهم هي الأغنى طبيعياً والأشد تأهيلاً لاستقطاب السيّاح، فإنها تأثرت سلباً إلى أبعد الحدود بنزوح الكفاءات القبرصية اليونانية عنها، فعانت السياحة فيها ركوداً وانكماشاً هائلين، بينما انفجرت بطالة واسعة، لاسيما بين الشبيبة، تأدت عنها ظاهرة هجرة إلى الخارج. أما الأتراك الذين انتقلوا إلى الجزيرة فكانوا فلاحين لا يملكون المهارات التي يتطلبها الاقتصاد القبرصي التركي. ولأن بعضهم لم يجدوا فرصة عمل لهم في قبرص، فقد اختاروا حياة الجنوح والجرائم الصغرى والكبرى التي زادت في إبعاد القبارصة الأتراك عنهم، ودفعهم إلى توكيد مسافتهم عن الأتراك والتعالي عليهم. ومثل هذه المشاعر الوطنية القبرصية وجدت مؤخراً من يعبر عنها سياسياً في الزعيم اليساري المعتدل مصطفى أكينجي وفي فوزه الانتخابي. وهو ما بات يسمح بالسؤال: هل تغدو قبرص السبّاقة في استعادة الوحدة بعدما كانت السبّاقة في الانفصال؟ وإذا صحّ هذا التقدير، فهل تتحول الجارة الصغيرة للعالم العربي إلى نموذج مضاد للنماذج التي يعيشها جوارها الكبير؟