كثيراً ما نفترض أن معظم فترات الركود الاقتصادي تنتهي في وقت محدد، وأن اقتصاد الولايات المتحدة سرعان ما يعود إلى سابق عهده حتى لو طالت الأزمة وامتد بها الزمن. إلا أن الخبير الاقتصادي «تايلير كاوين» كتب لصحيفة «نيويورك تايمز» مقالة حذّر فيها من أن الأمر قد يكون مختلفاً هذه المرة. وسطّر في مقالته: «إنه لمن العسير تجنّب الشعور بأن مشاكلنا الاقتصادية الراهنة باتت تمثل أكثر من مجرّد جزء من دورات الانكماش المتكررة. وذلك لأن التغيرات المفاجئة والقوية التي تشهدها الأزمة الحالية يمكن أن تنطوي على مؤشرات استهلالية لحالة من الهشاشة والعجز الدائم عن الأداء». وعندي بعض المآخذ على هذا الطرح. ويكمن أولها في افتراض «كاوين» أن نوعاً ما من التحول الغامض يعمل بشكل دائم على إضعاف القوة الكامنة في اقتصادنا الأميركي. ويجدر التساؤل هنا: هل أدى هذا التحوّل إلى تخفيض معدل «الناتج المحلي الإجمالي»، أم تسريع وتيرة معدل النمو؟ لا تبدو الإجابة عن هذا السؤال واضحة في طرحه. ويمكن القول إن «الصدمة الدائمة» التي يمكن أن تلحق بالناتج المحلي الإجمالي قد تعني أن الضرر الناجم عن الركود يمكنه أن يترك آثاراً لا تمّحي على مرّ الزمن. ولكنّ ذلك يعني أيضاً أن اقتصادنا سيستعيد يوماً ما وتيرة نموّه قريباً من معدلاته السابقة. إلا أن «صدمة التراجع الدائم» في وتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي تعني أن نمو اقتصادنا سيكون أكثر بطئاً في المستقبل للدرجة التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى التخلي عن موقعنا الذي نحتله في طليعة دول العالم، وتحويلنا إلى إحدى الدول ذات الدخل المتوسط. فهل ترانا نتحدث عن «ندبة اقتصادية دائمة» يمكن للولايات المتحدة التعايش معها، أم أن الأمر يتعلق بنبوءة اقتصادية لا أكثر ولا أقل؟ هناك العديد من النظريات التي تشرح السبب الذي يجعل «الركود الأعظم» يترك «ندبة مستدامة» في الاقتصاد. ومنها أن العمال الذين يقضون وقتاً طويلاً في حالة بطالة، يمكن أن يفقدوا مهاراتهم وفنياتهم في أداء العمل. أو أن يكون هناك تراجع دائم في الإنتاجية، أو تردٍّ مزمن في وضع السياسات القادرة على إنتاج الحلول. إلا أن معظم هذه المشاكل يمكن على أقل تقدير التصدي له بوضع سياسة اقتصادية مناسبة. وعلى سبيل المثال، إذا كان العمال قد عانوا من بطالة طويلة المدى، فيمكنك أن توفر لهم نوع العمل الذي يضمن لهم استعادة مهاراتهم في الأداء. وتكمن المشكلة في أن «كاوين» يفترض أن «الركود الأعظم» ذو طبيعة تجعل من المستحيل تصحيحه من خلال السياسات الاقتصادية الناجحة. فهو يقول في هذا الصدد: «عندما يحدث الركود، يكون علينا القبول بأن السياسة العامة لن يكون في وسعها عكس اتجاهه بسهولة. وحالما تبدأ الهياكل الاقتصادية في الانهيار والتداعي، فإنها تحتاج إلى تطبيق تحولات هائلة لإعادتها إلى العمل من جديد». ولا يمكننا أن نفهم بالضبط ما المقصود بمصطلح «الهياكل الاقتصادية»، ولا سبب سقوطها وتداعيها، أو لماذا لم تسقط وتتداعَ من قبل. وكثيراً ما استخدم تعبير «هيكل» structure باعتباره مصطلحاً غامضاً غير محدد الأطر والأبعاد وكأنّه يشير إلى قدرة افتراضية خارقة. إلا أن مجرّد الأخذ بوجود هذه القوة الافتراضية لا يكفي. لأنه لا يكون في وسعك أن تختبر فرضية ما إلا عندما تتحدد طبيعة عناصرها على النحو السليم. وحتى تتأكد مما إذا كنا قد شهدنا «ركوداً عظيماً» من قبل، يتحتم عليك قبل كل شيء أن تضع تعريفاً جامعاً مانعاً لما يعنيه مصطلح «الركود الأعظم» ثم تعمد بعد ذلك إلى ربطه بآليات حدوثه. وتكمن مشكلتي الأخرى مع «نظرية الركود الأعظم» في الافتقار لأمثلة تاريخية كافية عن دول عانت من تحول دائم باتجاه تراجع النمو. وعادة ما تستعيد الدول قدرتها على التعافي عقب معاناتها من الصدمات الاقتصادية القوية حتى لو استمرّت لعقد أو أكثر. ويمكن الاستشهاد هنا بحالة اليابان كمثال، حيث كانت سنوات التسعينيات تمثل «العقد الضائع» في اقتصادها القوي. ولكنها، ومنذ عام 2000 ما لبثت أن تفوقت على الولايات المتحدة بمقياس معدل الناتج المحلي الإجمالي للفرد في سنّ العمل والإنتاج. --------- أستاذ مساعد في الشؤون المالية ب«جامعة ستوني بروك» - نيويورك ينشر بترتيب مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»