في عام 509 قبل الميلاد، استهدف مجموعة من الناس المتعصبين رجلاً طاعناً في السن، كان باستطاعة العجوز الإفلات من قبضة الرعاع الغاضبين، بالتسلل إلى حقل الفول الأخضر، ولكن المفاجأة أنه بقي متسمراً يستقبل الغاضبين وأسلحتهم. أحاطت المجموعة المجرمة بالعجوز الواهن ولم تشفع له سنواته الثمانون بالنجاة من منجل الموت، حتى أسلم الرمق الأخير. هكذا كانت نهاية الفيلسوف العظيم (فيثاغورس)، فهو كان قد حرَّم على اتباعه أكل الفول أو الاقتراب من حقله، في سر دفين جره معه إلى القبر، حتى كشف العلم عن معنى هذا السر بعد مرور ألفين وخمسمائة عام (فقر الدم المنجلي). اعتبر الفيلسوف البريطاني برتراند راسل فيثاغورس واحداً من أهم الرجال الذين عاشوا في أي وقت من الأوقات. ويرى جون آرنولد توينبي أن الجنس البشري أُتحف بين عامي (600 ـ 480) قبل الميلاد، في فترة زمنية لا تتجاوز المائة والعشرين من السنين، بظهور خمس عبقريات إنسانية متميزة، على يد خمسة من عظماء التاريخ، في تعاقب مدهش، فظهر في إيران «زرادشت»، وظهر في ظلمات الأسر البابلي (أشعيا الثاني) الذي اكتحلت عيناه برؤية المك العظيم (قورش) المؤسس الأول للدولة الفارسية، وذكره التاريخ أنه كان من أعظم الناس خلقاً وعدلاً، بقدر امتداد مملكته من الهند إلى السودان، وكان الثالث (بوذا) الذي سطع نجمه من سفوح أعلى قمم العالم جبال هيمالايا، فحيث البرد والهدوء العجيب، وصل المعلم إلى حالة (النيرفانا)، أي ذلك الهدوء الذي لا يعكره حزن أو غضب. وفي الصين، ظهر (كونفوشيوس) بتعاليمه من أصغر وأضعف ولايات الصين؛ ليبني كل الأخلاقيات الصينية اللاحقة؛ وكان من الشرائح الاجتماعية التي عانت وتعذبت وبكت كما لم يعانِ أحد. وكان الخامس العظيم الفيلسوف (فيثاغورس) الذي بدأنا حديثنا حوله، ومن المحتم أن أحداً منهم لم يجتمع بالآخر، وإنْ كانت تأثيراتهم الحضارية انعكست كل منهما على الأخرى. وبسبب أهمية المعاصرة لهؤلاء الحكماء الخمسة، فقد أطلق الفيلسوف الألماني (كارل ياسبرز) على الفترة التي تنتظم حياتهم: (العصر المحوري)، أي العصر الذي تمفصل عليه تاريخ البشرية؛ فقد كان ظهورهم في حقيقة الأمر منعطفاً مهماً، من حيث إنهم استمروا في التأثير على البشرية إلى يومنا هذا.