جميلة هي لغتنا العربيّة. في عينيَّ هي أجمل لغة على وجه الأرض. هي لغة الحب والسلام والحرب. ورأيي لا يُعتبر تحيّزاً لها بل كثير من الناس يتوافقون معي. وقد لفت انتباهي تقرير عرضته إحدى القنوات الفضائيّة عن قيام كوريا الجنوبيّة بتدريس اللغة العربية في ستة من جامعاتها منذ ما يُقارب الخمسين عاماً، ومن أهمهنَّ جامعة «هانكوك» للدراسات الأجنبيّة. المثير للدهشة، ويبعث على الفرحة أن وزارة التربية والتعليم بكوريا الجنوبيّة قد قررت تدريس لغة الضاد ضمن مناهجها التعليميّة واعتبارها اللغة الأجنبية الثانية الرسميّة بعد الإنجليزيّة، وجعلتها ملزمة على الطلبة عند التقدّم لامتحان القبول بالجامعات الكوريّة. ولم تكتفِ كوريا الجنوبيّة بذلك، بل تحرص بين وقت وآخر على إرسال طلاّبها إلى البلدان العربيّة للتعرّف على ثقافتنا عن قرب. عند سؤال طالبة كوريّة جنوبية عن سبب اختيارها قسم اللغة العربية كتخصص لدراستها! أجابت بأنها سمعت اللغة العربيّة مصادفة في التلفاز، ووجدتها أجمل لغة في العالم. شعرتُ بالخجل والتحسّر على لغتنا التي أصبحت الأجيال الجديدة تعافها، بل وتُبدي نفوراً من تعلّم قواعدها! وللأسف ساهمت الكثير من الأسر العربية في شيوع هذه النظرة بعدم حرصها على تعليم أولادها لغتهم الأم، بوضعهم في مدارس أجنبية منذ الصغر ليشب الواحد منهم، وهو يتقن اللغة الإنجليزيّة، وإنْ كان ذلك على حساب لغته الأم وثقافته العربيّة. نحن نُريد إمساك العصا من وسطها! فأنا ضد المشايخ الذين يرفضون تدريس اللغات الأجنبيّة في مدارسنا ووضعها ضمن مناهجنا التعليميّة منذ المراحل الأولى بحجة حماية أطفالنا من التغريب الفكري! فهذا مبرر غير مقبول إطلاقاً خاصة وأن العالم أصبح يضع اللغة الإنجليزيّة شرطاً للقبول في أي وظيفة بالقطاع الخاص! ولكن على الجانب الآخر أرفض أن يكون إتقانها على حساب لغتنا العربية والتنكّر لها والنظر إليها بدونيّة والبخس بقيمتها! أعرف شابة سعوديّة تحرص منذ عودتها من بعثتها الدراسيّة بالخارج، إلى مخاطبة أبنائها الصغار باللغة الإنجليزيّة داخل البيت. وعندما سألتها عن السبب! أجابت بأنها تخاف أن ينسى أبناؤها ما تعلموه في المدارس هناك. ولم تكتفِ بهذا، بل تعمّدت إدخالهم مدرسة أجنبية برسوم سنويّة باهظة، كل المواد فيها تُدرّس باللغة الإنجليزيّة، وتُخصص إدارة المدرسة حصّتين فقط في الأسبوع لتعلّم قواعد اللغة العربيّة. وإذا حاور أحدهم أولادها سيجدهم يتحدثون معه بلغة عربيّة ركيكة! وأعرف امرأة أخرى يرفض أبناؤها التحدّث معها باللغة العربيّة، وإنْ ناقشتهم في أي شيء بالعربيّة يجاوبونها باللغة الإنجليزيّة. فإذا نهرتهم أبدوا امتعاضهم وسخروا من هذه اللغة العتيقة التي لن تُفيدهم حين يتخرجون ويدلفون للعالم الخارجي! من المؤسف أن ينظر الغرباء للغتنا بكل هذا الكم من التقدير، ويسعون لتعلمها خاصة في ظل العولمة الفكريّة التي غدت تُسيطر على جميع أرجاء الكرة الأرضيّة، في الوقت الذي تنظر فيه أجيال اليوم للغتها بسخريّة وتعتبرها من مخلفات العصور البائدة! لا يدركون بأن اللغة هي جزء لا يتجزأ من هوية المرء، وأن تخليه عن هويته الثقافيّة يعني بأنه قرر الانسلاخ عن جلده، والانضمام إلى قافلة الغرباء الذي يهجرون غير آسفين كل ما يمت بصلة لتاريخهم. أنا دوماً أنادي عبر مقالاتي بوجوب القيام بثورة تصحيحيّة على الموروث الفكري والاجتماعي، والسعي لتجديد الخطاب الديني، لكنني أيضاً أحثُّ على التمسك بلغتنا، وأشجّع على تعلّم قواعدها بأسلوب مبسّط لا يُنفر الأجيال الصاعدة منها. هذا اللغة أؤمن بأنها تملك أجمل الحروف، ولديها قدرة هائلة في التعبير عن الحب، وأيضاً بارعة في الدعوة للسلام ودق طبول الحرب. كاتبة سعودية