عقد في الثالث والرابع عشر من مايو الحالي مؤتمر قمة بين قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والرئيس الأميركي باراك أوباما سُمي بقمة «كامب ديفيد» الخليجية. وأشارت المعلومات والتصريحات والبيان الختامي للمؤتمر بأن النتائج كانت إيجابية، وركزت على وسائل إحلال الأمن والاستقرار في الخليج العربي بشكل أساسي وفي المنطقة العربية وجوارها الجغرافي. فقد بحثت قضايا من قبيل تطورات الملف النووي الإيراني والاتفاق الإطاري، الذي عقد بشأنه بين الولايات المتحدة وإيران، وعدد من القضايا الإقليمية في اليمن والعراق وسوريا وليبيا، بالإضافة إلى دعم عملية السلام بين الفلسطينيين، وإسرائيل، والشراكة الاستراتيجية والتعاون العسكري والأمني بين دول المجلس والولايات المتحدة، وسبل مكافحة الإرهاب والتصدي له وتجفيف منابع دعمه وتمويله ورفض فكرة التطرف جملة وتفصيلاً. إن هذه جميعها تهم شعوب دول المجلس كثيراً، ويهمها أن ترى قادتها وقد توصلوا إلى حلول وتفاهمات بشأنها مع حليفهم الاستراتيجي الأكبر، لكن التساؤل الأكبر الذي ظل يدور في أذهان الكثيرين من مواطني دول المجلس، هو أنه عندما أعلن عن عقد القمة: لماذا ستعقد مثل هذه القمة في هذا التوقيت بهذا الشكل الجماعي الذي ينم عن تراضٍ ، ووحدة صف دول المجلس، وعلى أراضي الولايات المتحدة بالتحديد والرئيس أوباما يوشك على مغادرة البيت الأبيض لقرب انتهاء ولايته الثانية؟ سؤال صعب بالتأكيد، لكن محدثكم توصل إلى إجابة تحليلية تجيب عنه وعلى النحو التالي: فبعد أن تمعنت كثيراً في الفقرة التي أوردها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، في التصريح الذي أدلى به بعد نهاية القمة حين قال معرباً عن ثقته: «بتفهم الإدارة الأميركية بواعث القلق والمخاوف المشروعة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وشعوبها حيال الأخطار الاستراتيجية المحتملة لا سيما في ظل تفاقم عوامل الاضطراب والنزاعات الطائفية والمذهبية وانتشار جماعات الإرهاب وتنظيماته». لذلك يمكن القول بأن القمة أتت وسط أجواء إقليمية ودولية خطيرة تحيط بالمنطقة العربية والجزيرة العربية والخليج العربي، وأهم تلك التوترات تتعلق بالصورة غير المريحة للولايات المتحدة في المنطقة، والتي ترتبط بتطورات الملف النووي الإيراني والاتفاق الإطاري، الذي تم بشأنه بينها وبين إيران، فنتيجة لذلك تبدو الولايات المتحدة ذات موقف غامض متردد، ولا يمكن الارتكان إليها وذات أحكام غير دقيقة حول الكثير من ملفات المنطقة. ورغم أن دول المجلس لا تصرح بذلك علانية فإنها تبدو متفقة فيما بينها على أن العديد من مواقف الولايات المتحدة تجاه إيران حالياً مثيرة للقلق، وتحتاج من دول المجلس أن تكون ذات وقفة جماعية صلبة بشأنها. صحيح أن الإدارة الأميركية الحالية تحاول باستمرار طمأنة دول المجلس فرادى ومجتمعة حول قضية التزامها بالمسألة الأمنية الخليجية، حيث تأتي تصريحات كبار مسؤوليها لكي تصب في هذه الخانة، بدءاً بالرئيس مروراً بوزير الدفاع وانتهاءً بوزير الخارجية، وتعكس فترة من التعاون الأمني الوثيق بين الطرفين امتدت لسبع سنوات تقريباً، إلا أن السؤال المحير هو لماذا تبدو دول المجلس غير مقتنعة كثيراً بمثل هذه التصريحات والتطمينات؟ ولكي نجيب على هذا التساؤل، لا بد لنا وأن نستعين بالمنهج التحليلي، فمن جانب تعتقد دول المجلس بعدم وجود مستوى من التعاون الأمني القادر على تجاوز مصادر القلق لديها، وأن الولايات المتحدة ستقبل حتماً بوجود إيران نووية عوضاً عن إتباع وسائل أخرى ضد التسلح النووي الإيراني إذا فشلت العملية الدبلوماسية في حل تعقيدات الملف النووي الإيراني الشائك، أو أن إيران طورت بالفعل قدراتها ومعرفتها النووية، وقامت في نهاية المطاف بإنتاج قنبلتها النووية في القريب العاجل. ومن جانب آخر، فإن دول المجلس لديها مخاوف طويلة الأمد من أن يقوم حليفها الأمني بالتخلي عنها مستقبلاً لمصلحة إيران، خاصة منذ أن شرعت الإدارة الأميركية الحالية في التعامل والتفاوض مع إيران منذ 2009 سر أو علانية. وللحديث صلة.