الفكرة الأساسية لهذا الكتاب تتمثل في أن الغرب أضحى اليوم يفتقر للرجال والأموال والموارد من أجل الحفاظ على هيمنته العسكرية التقليدية، حيث يقول المؤلف مارك أُربان: «إن حجم القوات المسلحة الغربية، ومخزونات أسلحتها، وجاهزيتها العسكرية أخذت جميعها تتراجع.. إن امتياز الغرب وقدرته على ردع الناس في أجزاء من العالم أخذا يزولان، إنْ لم يكونا قد اختفيا منذ مدة». أُربان، وهو صحفي بريطاني متخصص في الشؤون الدبلوماسية والعسكرية، يطرح السؤال العريض: هل باتت هيمنة الغرب العسكرية في طريقها إلى الزوال؟. أما جوابه، فهو «أجل، بالطبع»، وهو يقصد بذلك الطريقة التي كانت بها أسلحة الغرب التقليدية في الماضي أكثر قوة وتفوقاً من أسلحة روسيا والهند والصين وقوى آسيوية أخرى. ولئن كان الجزء الأوروبي من القصة معروفاً نسبياً، فإن المؤلف يسوق أرقاماً وإحصائيات تبعث على الذهول. فمثلا، كانت البحرية البريطانية تمتلك أكثر من 70 فرقاطة ومدمرة خلال عقد السبعينيات، لكنها اليوم تمتلك 19 فقط. كما تقلص حجم الجيش الألماني من 545 ألف جندي إلى 180 ألف جندي. ومن جانبه، يعمل الجيش الفرنسي حاليا على تقليص حجمه من 548 ألف جندي إلى 213 ألف جندي. غير أنه بينما تتقلص قدرة أوروبا العسكرية، يزداد اعتماد تحالف «الناتو» على الولايات المتحدة. والحال أن القوة العسكرية الأميركية تتراجع بدورها، مثلما يحاجج أُربان. فعدد المقاتلات التي كانت تستعملها القوات الجوية الأميركية انخفض إلى النصف منذ نهاية الحرب الباردة، حيث انتقل إلى نحو ألفين. والواقع أن هذا الأمر كان شبه متوقع، حيث كثر الحديث عقب الحرب الباردة عن «أرباح السلام» التي ستسمح للدول الغربية بخفض نفقاتها العسكرية بشكل كبير. غير أنه بموازاة ذلك، أخذت بلدان أخرى تستعرض عضلاتها، مثلما يشير إلى ذلك أُربان. فروسيا، مثلا، أنفقت مبالغ كبيرة على جيشها وعلى أسلحتها النووية. كما شهدت العقود الأخيرة ارتفاع الإنفاق العسكري الصيني، وهو ما أثار أسئلة بشأن ما إن كانت الولايات المتحدة تستطيع مواصلة هيمنتها على المحيط الهادئ. والحال أن الأيام التي كانت تمثّل فيها الولايات المتحدة لوحدها قرابة نصف الإنفاق العسكري في العالم قد ولّت منذ وقت طويل. وتكفي الإشارة هنا إلى أنه بحلول 2014، شكّل إنفاق البنتاجون 38? فقط من حجم الإنفاق العسكري العالمي. بيد أن هذه الأرقام تحكي نصف القصة فقط، حيث يحاجج المؤلف بأن الغرب أهدر كثيراً من المال في اقتناء أنظمة أسلحة باهظة الثمن. ولعل أحد أسباب انخفاض أعداد المقاتلات الأميركية هو أن كلفة كل واحدة منها مرتفعة جداً. وعلى سبيل المثال، فإن كل مقاتلة من طراز «إف 22 رابتر» تعج بالتكنولوجيا الباهظة لدرجة أن كلفتها تفوق 670 مليون دولار. غير أنه إلى جانب هذه التخفيضات، قام الغرب خلال السنين الأخيرة بالإنفاق على الاستخبارات. فإذا كانت بريطانيا، مثلا، قد قلّصت حجم جيشها وبحريتها، فإنها بالمقابل عملت خلال العشرين عاماً الماضية على مضاعفة حجم جهاز الاستخبارات الداخلي «إم آي 5». ومن جانبه، ازداد حجم أجهزة ووكالات الاستخبارات الأميركية في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وبالعودة إلى السؤال الأساسي الذي ينشغل بها الكتاب، فربما تؤكد عشرون عاماً المقبلة ما إن كان الغرب قد فقد بالفعل «امتيازه» العسكري وما إن كانت التداعيات السياسة لذلك ستكون وخيمة، مثلما يخشى أُربان، وإنْ كان تزايد التوترات العالمية الحالية - من سوريا إلى أوكرانيا إلى بحر شرق الصين- يؤشر إلى أن تحذيراته ربما تكون صحيحة وتستند لأسس صلبة وقوية. محمد وقيف الكتاب: الامتياز.. هل باتت هيمنة الغرب العسكرية في طريقها إلى الزوال؟ المؤلف: مارك أُربان الناشر: تْوِلف تاريخ النشر: 2015