يمكنك أن تتوقع ألا يكون هناك أكثر ترحيباً بتزايد أعداد الملحدين من هيلاري كلينتون، إلا أن التقدميين السياسيين مبتهجون بدورهم هذه الأيام بظهور نتائج دراسة تشير إلى زيادة مهمة في عدد العلمانيين الأميركيين. ولا يُبنى هذا الحكم على أساس أن كبار السياسيين من «الحزب الديمقراطي» علمانيون، خاصة أن الرئيس أوباما وهيلاري يتحليان بالإيمان، بل لأن الليبراليين الأحرار رحبوا بهذه النتيجة التي أفضت إليها «دراسة الواقع الديني لعام 2014» والتي نشرت نتائجها الأسبوع الماضي في «مركز بيو للبحوث» وأظهرت ارتفاعاً في أعداد قليلي الميل للتديّن. ومن المعلوم أن «الجمهوريين» يبلون بلاءً حسناً في أوساط الناخبين من ذوي الميول الدينية القوية، فيما يستأثر «الديمقراطيون» بأصواتٍ أكثرَ في أوساط الناخبين الذين ينبذون التديّن. وهذه الدراسة ذات الحجم الضخم (بلغ عدد المشتركين فيها 35 ألفاً)، أظهرت أنه خلال السنوات السبع الأخيرة، سُجّل انخفاض بنسبة 10? في عدد من يطلقون على أنفسهم صفة «مسيحيين»، رغم أن نسبة من يطلقون على أنفسهم هذه الصفة ما زالت تزيد على 70? من مجموع عدد السكان. وفي الوقت ذاته، ازداد عدد غير المعتنقين لأي دين بنسبة الثلث حتى أصبحوا يشكلون 23? من البالغين الأميركيين. وقد تكون لهذا التحوّل تداعيات سياسية. وخلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة لعام 2012، تمكن الجمهوري «ميت رومني» من كسب أصوات الناخبين المسيحيين، فيما استحوذ خصمه باراك أوباما على نسبة 90? من أصوات غير المعتنقين للديانة المسيحية. وقد لوحظ أن هذا الاقتسام للأصوات كان أكثر وضوحاً في الانتخابات التشريعية النصفية لعضوية الكونجرس في نوفمبر 2014. وخلال السنوات السبع الماضية، حافظ البروتستانتيون الإنجيليون على مكانتهم الراسخة في قلب المنظومة السياسية للحزب الجمهوري التي ظلّوا يستأثرون بها منذ أيام الرئيس الأسبق «رونالد ريجان»، رغم أن نسبتهم العددية من أصل عدد السكان شهدت انخفاضاً طفيفاً. وخلال الانتخابات الرئاسية والتشريعية النصفية الأخيرة، شكّل البروتستانتيون الإنجيليون أكثر من ربع عدد الناخبين، وصوتوا لصالح الجمهوريين بنسبة 80?. وشهدت أعداد المنتسبين للمذهب الكاثوليكي انخفاضاً طفيفاً أيضاً. وهم يمثلون الآن ربع العدد الإجمالي للناخبين وأصبحوا يشكلون جماعة ذات توجهات سياسية متأرجحة. وغالباً ما يصوّت الكاثوليك البيض لصالح الجمهوريين، فيما يصوت أقرانهم السود لصالح الديمقراطيين. وعلى أن النمو المتزايد لغير المنتسبين لأي دين (الذين يوصفون بالملحدين) سُجل على نحو خاص في أوساط الشبّان الأميركيين. والآن، أصبح أكثر من ثلث الأميركيين بين 18 و33 عاماً لا يعتنقون أي دين. وبيّنت الدراسة أن ربع البيض غير متدينين، ويشاركهم هذا الموقف 20? من ذوي الأصول الإسبانية أو الأميركية اللاتينية، و18? من السود. ويدور الآن جدل حول التداعيات السياسية المباشرة لهذه التوجهات العقائدية. ويقول «روبرت جونز» المدير التنفيذي في «المعهد العمومي للبحوث الدينية» (مقرّه في واشنطن): «لم نستشعر حتى الآن تداعيات ذات شأن لظاهرة عدم الانتساب للدين في صناديق الانتخاب، لكن لاحظنا أن غير المتدينين يعمدون لتسجيل أنفسهم في القوائم الانتخابية بوتيرة أقل مما يفعل معتنقو الدين المسيحي». ومقابل ذلك، يرى «دافيد كامب بيل»، العالم السياسي في جامعة «نوتر دام» والمؤلف المشارك لكتاب «الهبة الأميركية: كيف يفرّقنا الدين ويوحّدنا»، أن الملحدين يزدادون نشاطاً وتأثيراً بمرور الأيام. ولم يعمد الزعماء السياسيون المنتمون للحركة البروتستانتية الإنجيلية إلى رفض ما توصلت إليه «دراسة بيو»، إلا أنهم تساءلوا عن تداعياتها ونتائجها. وقالوا إن الارتفاع الملاحظ في أعداد غير المتديّنين سوف يدعم قواعدهم التي ترفع مطالب متنوعة تتراوح بين تشريع الزواج المثلي، وإباحة الزواج بين المنتسبين لأديان مختلفة. وعبّر هؤلاء عن شكوكهم في أن يكون الملحدون مصطفّين تحت أي «أجندة». وقال «تيموثي هيد» المدير التنفيذي لائتلاف الإيمان والحرية: «إن الناخبين المدنيين غير المنتسبين للأديان يكون من العسير إخضاعهم لتنظيم ما لأن الإلحاد أثبت عبر التاريخ أنه أضعف تأثيراً في الشأن السياسي من الإيمان الديني القوي». ومع بروز معسكرين مستقطبين يلعب كل منهما لعبة مخالفة للآخر، أصبح الإيمان في أميركا شبيهاً بالكونجرس ذاته من حيث كونه مؤلفاً من جناحين منفصلين لا توجد بينهما إلا فسحة ضيقة. -------- ألبرت هانت، محلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»