ارتفعت بعض الأصوات مؤخراً تطالب بإصدار قانون للاحتشام في الأماكن العامة إثر حادثة «فيديو المواطنة»، ورغم أن مجتمع الإمارات يعتز بعاداته وتقاليده وقيمه التي ينتمي إليها، ويأمل من ضيوفه احترام كل ذلك، كحال أي مجتمع على وجه الأرض، فإن أي قانونٍ للاحتشام يحتاج إلى الكثير من التأني قبل إصداره. نحن هنا لا نتحدث عن منع التدخين في الأماكن العامة المغلقة، فكل عاقل يقر بحق غير المدخن في بيئة نظيفة من الدخان السام، في حين أن ما نعده ثوباً غير محتشم، قد يعد لدى غيرنا ثوباً ساتراً ولا شيء فيه، والبنطال الذي يكشف أكثر الفخذين، والقمصان من دون أكمام، والتنانير القصيرة جداً، كلها ثياب غير محتشمة في نظرنا، لكنها ألبسة عادية لدى أغلب أمم الأرض، بل إن مجتمعنا نفسه غير متفق على الحدود الدنيا للاحتشام، بدليل الجدل الذي حدث بيننا عما إذا كانت السيدة التي ظهرت في الفيديو المذكور محتشمة من عدمه. كما أننا لا نتحدث عن فرض الاحتشام في أماكن محددة، كما تفرض بعض الدول اشتراطات في الهندام لدخول دور العبادة مثلاً، وإنما عن فرض ضوابط في ارتداء الملابس في كل مكان تقريباً، فالمكان العام يشمل الشوارع والأزقة والساحات والحدائق والمنتزهات والملاعب والمقاهي والمطاعم والأسواق والمراكز التجارية، وعملياً أغلب الناس يقضون معظم يومهم في أماكن عامة. وقد لا تطرح هذه الإشكالية في الدول المنغلقة أو المعزولة أو الهامشية، لكن الإمارات تعد نقطة رئيسية على خارطة السياحة العالمية، ومركزاً مهماً للمال والأعمال، وملتقى بين الشرق والغرب، ونموذجاً للتعايش بين البشر، وفضلاً عن وجود الملايين من الأجانب المقيمين فيها، فإن مطاراتها تستقبل الملايين من السائحين ورجال الأعمال والباحثين عن الفرص، ومن المتوقع أن يزور معرض «إكسبو 2020 دبي» مثلاً نحو 25 مليون شخص؛ لدى أغلبهم معايير احتشام مختلفة عن معاييرنا. وأعتقد أنه يمكن المحافظة على الموقع المتقدم الذي بلغته الإمارات في قطاعات كالسفر والسياحة وريادة الأعمال وإقامة المعارض والمؤتمرات، وهي قطاعات تموج بالبشر، وكذلك ضمان عدم المس بالحريات الشخصية في أمور شخصية جداً كارتداء الثياب، والمحافظة أيضاً على أجواء الانفتاح التي عُرفت بها الإمارات، وذلك من خلال دراسة كل أبعاد قضية الاحتشام، لئلا نغلق هذا الباب بفرض قانون ما، ثم نفتح على أنفسنا أبواب أخرى بسبب آليات وآثار تطبيقه، خصوصاً أننا أصبحنا محل أنظار العالم. كما أنه من المهم العمل على تعزيز ثقافة الاختلاف، فالاحتشام مسألة من مسائل لا نتفق فيها بالضرورة مع غيرنا، كقصّات الشعر الغريبة، واصطحاب الحيوانات الأليفة، والاحتفال بالمناسبات العالمية، والحفلات الغنائية الصاخبة، وغيرها من أمور، ولا يمكن في ظل نموذج الحياة في الإمارات، والذي ترسخ على مدى عقود، وصار هناك ما يشبه الإجماع بين الإماراتيين على أنه نموذج يستحق المحافظة عليه، أن نصدر القوانين تلو القوانين ليكون الجميع نسخاً متشابهة في بلد نفخر أمام العالم بأنه ملتقى للثقافات والحضارات.