حفيدتي «نواره» يمنية الأب وعراقية الأم، عندما ولدت غيّرتني، وتعني باللغة اليمنية عشقتها، وهو عشق مختلف عن كل ما عرفته في حياتي. إنه العشق الذي يقول عنه الحكيم الصيني كونفشيوس «أن تعشق هو أن تريد المعشوق أن يعيش». وهذا أصعب ما في عشق كهول يشاهدون يومياً تناثر أجساد أطفالهم في العراق، وسوريا، ولبنان، وليبيا، واليمن، ومعهم يتناثر اطمئنان العيش في هذا الكون. ومع أن حفيدتي لا تشاهد في التلفزيون و«الآي باد» الخاص بها سوى أفلام الكارتون الساحرة، إلاّ أنها بحكم قانون انتشار الأخبار السيئة واجهت، وهي في السادسة موضوع الموت، وقرّرت أن أباها سيموت قبل الجميع، لأنه يخلط الليل بالنهار في العمل، ثم تموت أمها لأنها أكبر منها، وهي ستموت بعد الجميع. وسألتها أمها «وجِدُّو»؟ أجابت: «جِدُّو مشغول دائماً ما عنده وقت يموت»! وقدرة الأطفال السحرية لاستهواء القلوب هي معجزة بقاء البشر، الذين يعيشون على خلاف المخلوقات الأخرى طفولة طويلة لا يحميهم خلالها سوى جمالهم الآسر. يستيقظون صباحاً كسرب طيور تزقزق، وتستقبل الأرض قفزاتهم كأنها تُقبِّلُ أقدامهم. كل لحظة عندهم لعب، وجميع ما تقع عليه أيديهم مادة للإبداع، وقلّما يمشون في خطوط مستقيمة، بل عبر خطوط هندسية متعرجة، وتتحول علبة صفيح يصادفونها إلى كرة قدم، والعثور على عنكبوت أو نملة حدث كبير، والزلعطون مهرجان. و«دع الأطفال يتعلمون عبر اللعب»، عنوان تقرير «نيويورك تايمز» عن تجارب باحثين ألمان على 400 ألف طفل في خمسين بلداً، أثبتت أن الأطفال الذين يشرعون بالتعلم في عمر أقل من خمس سنوات أضعف قدرة في القراءة ممن يبدأون في عمر لاحق. وذكرت أن القراءة لم تظهر إلاّ قبل نحو ستة آلاف عام، وهي غير مبرمجة «طبيعياً» في أدمغتهم، المبرمجة بمهارات معقدة كالمشي. ودماغ حفيدتي مبرمج بسلسلة إبداعات تستيقظ معها وتنام، وكلاهما مشكلة، الاستيقاظ والنوم. فيوم نعيم يبدأ بالغناء، أو يوم جحيم يبدأ بالبكاء. وسألتها مرة: لماذا تبكي، أجابت: «لا أعرف»!.. وأجهشت تبكي لأنها لا تعرف، وزعزعت اعتقادي السابق بقول الفيلسوفة الفرنسية سيمون دوبوفوار أن «المرأة لا تولد امرأة، بل المجتمع هو الذي يجعلها امرأة». وحفيدتي في السابعة امرأة ذكية وماكرة تبكي لأنها لا تعرف لماذا تبكي! وفي عمر أربعة أشهر أرتني اللحظة المعجزة لميلاد الإدراك البشري، لحظة سمِعَتْ هي صوتها لأول مرة وأخذت تكرره كاستهلالة سمفونية. هكذا يولد الإدراك البشري، وهو الإنسان كله، وما يميزه عن جميع الكائنات الحية، التي لا تستطيع أن تدرك صوتها وتقلده. فالعقل، أو الوعي بالمعنى العصبي، هو ترابط خلايا الدماغ. وفي دماغ الإنسان المتكوِّر كصحن «سباغيتي»، 100 مليار خلية عصبية «عصبونة» وتبلغ ترابطاتها 100 تريليون، وهذا أكثر مما في الكون من نجوم، حسب مجلة «ساينتفيك أميركان»، والتي ذكرت أن «العلم لم يكتشف بعد لغز انبثاق الدماغ من حشد عصبوناته، ولا يعرف سوى أن العصبونة لا تفعل شيئاً إلا عندما تنشئ مع عصبونات أخرى نظاماً عصبياً، والنظام العصبي للإنسان كونٌ لا يُسبر». وكمعظم الأجداد أخشى في الكلام عن حفيدتي أمرين، أولا أن أبالغ، وثانياً الحسد، وأنا أبالغ فعلا، إنما بالاتجاه المعاكس، فأخفي أنها تكتب شعراً سريالياً مثل «رامبو»، وتؤلف أغاني مثل «البيتلز» تلحنها وتعزفها على الجيتار، ومنها واحدة وصلتني عبر «سكايب» وفيها: «أنت لا تعرف كيف أشعر عندما يسافر جدي بعيداً». ويعذرني الرسول عليه الصلاة والسلام حين يقول «ثلاثة لا يسلم أحدٌّ منهن: الطيرة وسوء الظن والحسد، فإذا تَطيّرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ». ومن يحسد طفلة عراقية يمنية، يهرب أهلها بالملايين مشياً على الأقدام، أو في زوارق نقل المواشي عبر البحر المتوسط والأحمر، لاجئين إلى بلدان يهرب أهلها منها، كالصومال وجيبوتي؟