في عام 2011، أرغمت معارضة شركاء اليونان الأوربيين القوية رئيسَ الوزراء جورج بابندريو على سحب مقترح الاستفتاء الذي كان يسعى للحصول على«تفويض واضح» من الناخبين لتنفيذ السياسات المدعومة من الاتحاد الأوروبي. ولكن في الأسبوع الماضي وقع سيناريو معاكس تماما، حيث اقترحت ألمانيا على الحكومة اليونانية إجراء استفتاء حول قبول مطالب الدائنين المتعلقة بالإصلاحات الاقتصادية أو الانسحاب من منطقة اليورو. غير أن اليونان، في هذه المرة، هي التي عارضت. هذا التغير في الأدوار يكشف ثلاثة جوانب من التحولات على الأقل، حقيقية ومتصوَّرة، في التعامل بين اليونان وشركائها الأوروبيين: أولاً، أوروبا، وبعد أن حققت تقدماً بشأن احتواء الأزمة اليونانية وعزلها، تبدو اليوم أقل قلقاً بشأن إمكانية امتداد تداعيات سلبية في حال انتهت الدراما التي بدأت قبل سنوات نهاية مأساوية. ثانياً، أوروبا أضحت أقل مقاومة لفكرة انسحاب اليونان من منطقة العملة الموحدة، ولاسيما إذا كان ذلك نتيجة قرار يوناني وليس قرارا فرضه شركاؤها في الاتحاد الأوروبي. ثالثاً، الاستفتاء المقترح من شأنه أن يدفع الحكومة التي يقودها حزب «سيريزا» إلى وضع الخسارة الشاملة. ولفهم هذه التطورات الثلاثة، من المفيد التذكير بأسباب رفض أوروبا للاستفتاء الذي اقترحته الحكومة اليونانية في 2011. فأمام جيوب المقاومة الداخلية، كان «باباندريو» ينظر إلى الاستفتاء كوسيلة لحشد دعم الناخبين من أجل تطبيق الإصلاحات الاقتصادية الصعبة، غير أن شركاءه الأوربيين كانوا يعارضون هذه الفكرة بشدة لسببين: الأول هو الخوف من أن يؤسس الاستفتاء اليوناني لنموذج خاطئ لاقتصادات أخرى كانت تكافح أيضاً من أجل استعادة ثقة السوق، مثل إيرلندا وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا، وأما الثاني، فهو الخوف من أن تدفع نتيجة سيئة في الاستفتاء اليونان إلى الانسحاب من منطقة «اليورو» في وقت ما زالت تفتقر فيه أوروبا إلى الوسائل والمؤسسات اللازمة لاحتواء الخسائر الجانبية. ولكن بعد قرابة أربع سنوات، باتت أوروبا اليوم أقل قلقا بشأن التداعيات السلبية لانسحاب اليونان. ذلك أن الأسواق أضحت أكثر هدوءاً، والاقتصادات المحيطية اتخذت خطوات لترتيب بيتها الداخلي، والمؤسسات الإقليمية تقوت وتعززت، والمسؤولون باتوا واثقين من أن لديهم أدوات أكثر بكثير لاحتواء الأضرار التي قد تنجم عن انسحاب بلد عضو. كما أنه على الرغم من أن أي مسؤول أوروبي لا يرغب في أن يذكر التاريخ اسمه باعتباره الشخصَ المسؤول عن أول انسحاب من منطقة اليورو، يبدو أن الكثيرين بدأوا يقتنعون بأن مثل هذه النتيجة قد تصب في مصلحة الاتحاد على المدى الطويل. التحول في موقف أوروبا تأثر أيضاً بالأحداث التي شهدتها اليونان. فنجاح حزب «سيريزا» في الانتخابات كان نتيجة وعود متكررة بتغيير الاتجاه بخصوص السياسات الاقتصادية المتبعة، ومن ذلك الامتثال بشكل أقل لمطالب التقشف التي يطالب بها شركاء اليونان الأوروبيون وصندوق النقد الدولي. وفي الوقت نفسه، فإن قدرة الحكومة على تأمين اتفاق مع الدائنين تآكلت بشكل متكرر جراء عدم موافقة الجمهور، ونقص الثقة، وبعض التعثرات والحوادث المؤسفة التي تعزى لحداثة عهد سيريزا بتقلد شؤون الحكم. وفي مثل هذه الظروف، يقدم الاستفتاء سلبيات أكثر بالنسبة للحكومة اليونانية مقارنة مع سنة 2011. فالاستفتاء الذي يُظهر دعماً واسعاً للإجراءات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يُضعف وحدة حزب «سيريزا» ومصداقيته الانتخابية. كما يمكنه أن يؤدي إلى انتخابات عامة، مع ما قد ينطوي عليه ذلك من آفاق غير أكيدة بالنسبة للحزب. ومن شأنه أيضا أن يسمح لأوروبا باتخاذ موقف تفاوضي أكثر صرامة بشأن ما وصفه رئيس الوزراء اليوناني «أليكسس تسيبراس» من جديد يوم الجمعة باعتباره «خطوطا حمراء»، وخاصة خفض المعاشات والأجور. بيد أن حتى رفض التدابير التي يفرضها الاتحاد الأوروبي لن يشكّل نتيجة جيدة لـ«سيريزا»، ذلك أنه من شأن الاستفتاء أن يسرّع خروج رؤوس الأموال، ويؤدي إلى تهافت كبير على البنوك لسحب الودائع، ويجعل استمرار البنك المركزي الأوروبي في توفير المساعدة أكثر صعوبة، وكلها أمور من شأنها أن تقرّب أكثر سيناريو الانهيار المالي والاقتصادي للبلاد. وستكون مسألة وقت فقط حتى ترغَم اليونان على الخروج من منطقة «اليورو» بطريقة مكلفة وغير منظمة. إن أمل الحكومة اليونانية هو الحفاظ على السيطرة بموازاة مع تأمين الوقت لإرغام الدائنين على الموافقة على تخفيف للإجراءات التقشفية، وإعادة توجيه بعض الإصلاحات الهيكلية، وتخفيف أكبر للدين، وضخ كبير للتمويل الفوري عدا ما يوفره البنك المركزي الأوروبي حالياً. فلهذه الأسباب سيقاوم فكرة الاستفتاء، ولهذه الأسباب سيستمر شركاؤه الأوروبيون في الإصرار على هذا التصويت. ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»